يُرِيدُ بِذَلِكَ إِدْرَاكَ الكَوْنِ الَّذِي أَزَّلَهُ مُبْدِيهِ فِي الظُّهُورِ، وَالفَلَكُ: هُوَ الحَيْثُ الَّذِي حَدَّهُمَا لِلْوُجُودِ، وَهُمَا سَائِرَانِ فِيهِ، فَأَجِدُ فِي هَذَا القَوْلِ: أَنَّ الشَّمْسَ لَيْسَتْ بِمُسَاوِيَةٍ لِلْقَمَرِ، وَلَا كَوْنُهَا كَكَوْنِهِ، وَذَلِكَ فِي الشَّرْحِ: لَيْسَ البَابُ مُدْرِكَ الِاسْمِ، إِذَا كَانَ الِاسْمُ بِظُهُورِ المُهِلِّ المُبْدِرِ المُقْمِرِ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ الِاسْمُ بِمُسَاوٍ لِلأَزَلِ وَعِنْدَمَا أَبْدَى وُجُودَهُ وَظُهُورَهُ بِهِ، أَبْدَى الِاسْمُ ذَاتَ ظُهُورِهِ بِبَابِهِ، فِي الحَالَيْنِ المُكَوَّنَيْنِ فِي الحَيْثِ النُّورَانِيِّ وَالأَكْوَانِ النُّورَانِيَّةِ، وَذَلِكَ مَا بَيَّنَهُ مِنْ هَذَا عَلَى هَذَا السِّيَاقِ.
وَقَالَ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "دَانِيَةُ القُطُوفِ": أَيْ لَا يَنْبَغِي لِلرَّسُولِ أَنْ يُدْرِكَ المُرْسَلَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾: هَذَا سِرٌّ مِنَ الأَسْرَارِ؛ لِأَنَّنَا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مَثَلٌ عَلَى الغَيْبَةِ وَالظُّهُورِ، وَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ ضِيَاءَ النَّهَارِ مَثَلًا عَلَى إِيمَانِ المُؤْمِنِ، وَظُلْمَةَ اللَّيْلِ مَثَلًا عَلَى كُفْرِ الكَافِرِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ فِيهِمُ النُّورَ وَالظُّلْمَةَ، فَالنُّورُ قَبْلَ الظُّلْمَةِ، وَالأَصْلُ الحَقِيقِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾: إِشَارَةٌ يَلْمَحُهَا العَاقِلُ البَصِيرُ، فِي هَيُولَى التَّدْوِيرِ، فِي الفَلَكِ الأَثِيرِ، وَالمَحَلِّ الخَطِيرِ، وَاللَّيْلُ: عِبَارَةٌ عَنِ الخَفَاءِ المَوْهُومِ، فِي المَحَلِّ المَعْلُومِ، الَّذِي يَلُوحُ فِي العِيَانِ، كَهَيْئَةِ المَاءِ الرَّاكِدِ فِي صَفَاءِ الخُلْجَانِ، وَالنَّهَارُ: عِبَارَةٌ عَنْ إِشْرَاقِ كَشْفِ سُبُحَاتِ الجَلَالِ فِي النَّهْرِ المُنْفَجِرِ فِي رَحْبِ تِلْكَ الخِلَالِ، بِالفَيْضِ البَاهِرِ، وَالِازْدِهَارِ النَّائِرِ، المُتَلَأْلِئِ لِلنَّاظِرِ، فِي الرَّوْضِ




