وَأَنَّهُمْ أَشَدُّ خَشْيَةً مِنْ جَمِيعِ العِبَادِ، لِقُوَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ، وَعِلْمِهِمْ بِحَقِيقَةِ ظُهُورِهِ، وَبِالحَقِيقَةِ فَإِنَّهُ لَا يَخْشَى اللَّهَ وَلَا يَخَافُهُ إِلَّا الَّذِي يَعْرِفُهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَهَذِهِ الآيَةُ: هِيَ عَلَى مَعْرِفَةِ وُجُودِهِ بِالحُلَلِ الثَّلَاثِ النُّورِيَّةِ، وَإِثْبَاتِ وَحْدَتِهِ بِالقُدْرَةِ الأَبَدِيَّةِ، وَذَلِكَ مَلْحُوظٌ بِبَصَرِ البَاصِرِ، لِمَنْ خَلَعَ سِرْبَالَ الشَّكِّ وَالحَيْرَةِ، بِإِنْزَالِ المَاءِ النَّاضِخِ مِنْ ضِيَاءِ الوُجُودِ وَتَحْوِيلِهِ إِلَى كَوْنِ الظِّلِّ المَمْدُودِ، وَإِخْرَاجِ ثَمَرَاتِ أَيَّامِهِ وَلَيَالِيهِ مُخْتَلِفَاتِ الأَلْوَانِ بِمَوَاقِعِ الحُدُودِ وَالعُيُونِ، مِنَ النُّمُوِّ وَالبَثَاقَةِ وَالعَجْفِ وَالمَحَاقَةِ، وَتَعُودُ أَعْيَانُهُ السَّنِيَّةُ، لِمَعَاقِدِ كُنْهِ حَرَكَتِهِ الفَيْضِيَّةِ، تَلْحَظُ الجَبَلَ السَّائِرَ، بَيْنَ الخُطُوطِ الشَّوَاهِرِ، وَنَرَى النَّاسَ، وَالدَّوَابَّ، وَالأَنْعَامَ مُحْدِقِينَ حَوْلَ الجَبَلِ الأَنْوَرِ فِي المَحَلِّ الأَزْهَرِ؛ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ، وَلِيُوفُوا نُذُورَهُمْ، وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِغَايَةِ التَّحْقِيقِ، وَهَوَ الهَادِي لِأَوْضَحِ طَرِيقٍ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
وَقَالَ المُفَضَّلُ بْنُ عَمْرٍ -مِنْهُ السَّلَامُ- فِي كِتَابِ "الصِّرَاطُ": دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ العُلَمَاءَ أَشَدُّ خَشْيَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ العَالِمَ العَاقِلَ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ كِبْرٌ وَلَا عُجْبٌ بِنَفْسِهِ، بَلْ لَمْ يَزَلْ مُتَوَاضِعًا خَاشِيًا خَاشِعًا، فَحَقُّ العَالِمِ أَنْ لَا يَتَكَبَّرَ عَلَى أَحَدٍ، بَلْ إِذَا نَظَرَ عَالِمًا يَقُولُ: هَذَا يَعْلَمُ مَا لَا أَعْلَمُ، وَإِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا يَقُولُ: إِنَّهُ أَطَاعَ اللَّهَ قَبْلِي، وَإِذَا نَظَرَ إِلَى صَغِيرٍ يَقُولُ: لَعَلَّهُ يَتَعَلَّمُ فَيَسْبِقُنِي، وَإِذَا نَظَرَ إِلَى مُسَاوِيهِ يَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ بِحَالِي وَلَا أَعْلَمُ بِحَالِهِ.




