المَأْكُولِ وَالمَرْكُوبِ، وَالمُعَذَّبِ بِالعَذَابِ الأَدْنَى، دُونَ العَذَابِ الأَكْبَرِ، وَقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ العَارِفُونَ، وَسُمُّوا جِبَالًا: لِثُبُوتِهِمْ عَلَى المَعْرِفَةِ، كَثُبُوتِ الجِبَالِ الرَّوَاسِي، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾: وَالجُدَدُ: هِيَ الطُّرُقُ، وَالمُؤْمِنُ: هُوَ الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَالطُّرُقُ تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، بِيضٌ سُودٌ: وَهِيَ الَّتِي لَا تُسْلَكُ إِلَّا بِالمَشَقَّةِ، وَلَا أَمَانَ لِسَالِكِهَا، إِلَّا أَنْ يَسْتَضِيءَ بِنُورِ العَقْلِ، وَكَذَلِكَ العَالِمُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ، أَشَارَ إِلَيْهِمْ بِأَقْسَامِ الجِبَالِ الثَّلَاثَةِ، أَعْنِي الجُدَدَ البِيضَ وَالحُمْرَ وَالغَرَابِيبَ السُّودَ.
وَأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ: هَذَا كَلَامُ الِاسْمِ تَنْبِيهًا لِلْعَالِمِ: فَاللَّهُ: المَعْنَى تَعَالَى، أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً: يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ مَظْهَرِهِ النُّورِيِّ السَّمَاوِيِّ، أَوْجَدَ المَظْهَرَ البَشَرِيَّ فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا: فَالثَّمَرَاتُ: هِيَ الظُّهُورَاتُ بِالصُّوَرِ المُخْتَلِفَاتِ الأَشْكَالِ وَالهَيْئَاتِ، وَقِيلَ: مُخْتَلِفَاتٌ بِالذَّاتِيَّةِ وَالمِثْلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ -عَزَّ عَزُّهُ- أَوْرَى اخْتِلَافًا فِي الظُّهُورِ البَشَرِيِّ مِنْ جِهَةِ الصُّوَرِ، لَا مِنْ جِهَةِ القَدْرِ وَإِنَّهُ -عَزَّ عَزُّهُ- أَوْجَدَ فِي ذَلِكَ الوُجُودِ الأَرْضِيِّ مَظَاهِرَ لِذَاتِهِ مُخْتَلِفَاتِ الأَلْوَانِ بِرُؤْيَةِ العِيَانِ، كَاخْتِلَافِ العَالَمِ تَمْثِيلًا وَتَشْكِيلًا؛ لِأَنَّ مَظَاهِرَهُ تَعَالَى مِنْهَا ذَاتِيَّةٌ وَمِنْهَا مِثْلِيَّةٌ، وَذَلِكَ تَنْبِيهًا وَإِثْبَاتًا لِإِيجَادِ القُدْرَةِ، وَتَعْلِيمًا بِمَكَانِهِ لِلْعِبَادِ؛ لِتَصِحَّ الأَقْوَالُ، وَيَتِمَّ الِاسْتِدْلَالُ، وَأَفْرَدَ بِالخَشْيَةِ مِنْهُ تَعَالَى: العُلَمَاءَ،




