المَعْنَى تَلْحَظُ أَعْيُنُ المُسْتَبْصِرِينَ أَنَّ هَذَا المَثَلَ: وَاقِعٌ بِالعِلْمِ الظَّاهِرِ وَالعِلْمِ البَاطِنِ، إِذْ كِلَاهُمَا بَحْرَانِ، ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾: أَيْ العِلْمُ، فَشُرْبُهُ عَذْبٌ، أَيْ حُلْوُ المَذَاقِ، ﴿فُرَاتٌ﴾: أَيْ مَانِعٌ مِنَ العَطَشِ، أَيْ رَوَى شَارِبَهُ وَيَكُونُ كِفَايَةً لِمَنْ شَرِبَهُ وَالعِلْمُ الظَّاهِرُ: هُوَ المِلْحُ الأُجَاجُ أَيِ الزَّائِدُ فِي مُلُوحَتِهِ، لَا تَقْبَلُهُ الأَنْفُسُ الزَّكِيَّةُ، وَلَا يَشْرَبُهُ إِلَّا الأَوْهَامُ السَّاكِنَةُ فِيهِ، أَيْ العِلْمُ الظَّاهِرُ لَا يَشْرَبُهُ إِلَّا النَّاشِئُونَ بِمِيَاهِهِ، وَأَمَّا مَنْ سَبَحَ فِي البَحْرِ العَذْبِ، فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مِيَاهِ هَذَا الأُجَاجِ المَالِحِ، وَلَكِنْ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدَ تَلَبُّسِهِ البَاطِنَ، حِلْيَةٌ مِنْ عِلْمِ الظَّاهِرِ، سَتْرًا لِلْبَوَاطِنِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۚ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ١٣﴾
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ البَغْدَادِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "المِصْرِيَّةُ": ﴿اللَّيْلُ﴾: هُوَ الكَافِرُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الظُّلْمَةِ، ﴿النَّهَارُ﴾: هُوَ المُؤْمِنُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ النُّورِ وَعَنْهُ صَدَرَ، فَلَمَّا جَعَلَ الجَمِيعَ فِي عَالَمِ المِزَاجِ: صَارَ الكَافِرُ يَخْرُجُ مِنَ المُؤْمِنِ وَالمُؤْمِنُ يَخْرُجُ مِنَ الكَافِرِ؛ لِنُفُوذِ الحِكْمَةِ، وَتَثْبُتِ القُدْرَةِ، فَخُرُوجُ المُؤْمِنِ مِنَ الكَافِرِ، وَالكَافِرِ مِنَ المُؤْمِنِ، يَحْكُمُ الِانْتِقَالَاتِ وَالتَّوَالُدَ، فَالكَافِرُ يَخْرُجُ مِنَ المُؤْمِنِ بِالتِّيلِادِ، وَالمُؤْمِنُ حَيٌّ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ المُؤْمِنُ وَهُوَ




