السَّيِّدَ مُحَمَّدًا -عَزَّ عَزُّهُ- هُوَ الوَاسِطَةُ بَيْنَ العَالَمِ وَبَيْنَ الأَزَلِ، وَهَو الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، وَلَا يُوجَدُ مَعْرِفَةٌ لِلأَزَلِ إِلَّا مِنَ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ، وَقِيلَ: القَرْيَةُ: هِيَ هَذِهِ الصُّورَةُ الإِنْسَانِيَّةُ، وَظُهُورُ العَالَمِ فِيهَا، وَهُوَ التَّنَقُّلُ مِنْ هَيْكَلٍ إِلَى هَيْكَلٍ، وَمِنْ صُورَةٍ إِلَى صُورَةٍ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾: هَذَا لَهُ شَرْحٌ عَظِيمٌ وَسِرٌّ صَمِيمٌ غَامِضٌ لَا يَفْهَمُهُ إِلَّا المُوَحِّدُونَ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدَّرَ فِيهَا لِلْعَالَمِ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ مَا يُسَارِعُونَ بِهِ إِلَى المَعْرِفَةِ؛ لِأَنَّهُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَاتَّبَعُوا الهَوَى، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾: يُرِيدُ بِهِ مَعْرِفَةَ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ -عَزَّ عَزُّهُ- وَظُهُورَاتِهِ فِي التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ، فَاللَّيَالِي: ظُهُورُهُ بِفَاطِمَ -عَزَّ عَزُّهَا- وَهِيَ أُمُّ القُرَى وَأَمَّا الأَيَّامُ: فَظُهُورُهُ مِنْ آدَمَ إِلَى القَائِمِ -عَزَّ عَزُّهُمْ- ، فَمَنِ التَمَسَ مَعْرِفَتَهُ وَعَرَفَهُ كَانَ آمِنًا مِنَ المَسُوخِيَّةِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿آمِنِينَ﴾، وَقِيلَ: ﴿لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾: هِيَ القُرَى لِمَنْ عَرَفَهَا بِحَقِيقَتِهَا؛ لِأَنَّ الأَمَانَ وَالِاطْمِئْنَانَ بِمَعْرِفَتِهَا عَلَى حَقِيقَتِهَا.
وَقَالَ أَبُو طَاهِرٍ سَابُورُ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِهِ "الطَّالَقَانِيَّةُ": هَذَا الأَمْرُ لِقَوْمٍ مِنَ النَّاسِ، وَلِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾: أَيْ آمِنِينَ بِمَعْرِفَةِ مَوْلَاكُمُ الأَنْزَعِ البَطِينِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ١٩﴾




