وُسْعِكُمُ الإِحَاطَةُ بِهَا وَلَا إِظْهَارُ مِثْلِهَا، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾: وَهُوَ المُطَّلِعُ عَلَى مُكَوَّنَاتِ ضَمَائِرِكُمْ بِمَا تُسِرُّونَهُ مِنَ الِاعْتِقَادِ بِآيَاتِ رَبِّ العِبَادِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾: فَالضَّمِيرُ لِلْجُنُودِ وَالمُرْسَلِ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ، وَمَعْنَى: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: رَمْزٌ إِلَى الأَسْمَاءِ، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: إِشَارَةٌ إِلَى الصِّفَاتِ المُحْدَثَاتِ، ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ﴾: أَيْ مَالَتْ عَنْ مُسْتَوَى قُوَى المُقَابَلَةِ فَرَأَتْ مِثْلَهَا، ﴿وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ﴾: أَيْ تَقَلَّبَتِ القُلُوبُ فِي رُؤْيَتِهِ، لَدَى تَجَلِّيهِ لِعِبَادِهِ كَأَمْثَالِهِمْ ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾: مِنْ حَيْثُ رُؤْيَتِكُمْ لَهُ بِالمُعْجِزِ الوَاقِعِ فِي العُيُونِ النَّاظِرَةِ، تَعَالَى مُكَوِّنُ الأَكْوَانِ أَنْ يُحِيطَ بِهِ مَكَانٌ، وَيَحْصُرَهُ زَمَانٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾: أَيْ اخْتَبَرَهُمُ اللَّهُ بِتَجَلِّيهِ لَهُمْ كَصِفَاتِهِمْ، وَامْتَحَنَهُمُ اللَّهُ بِثَلَاثِ خَمْسَاتٍ كَأَشْكَالِهِمْ، تَعَالَى مُكَوِّنُ الكَائِنَاتِ أَنْ تَقَعَ عَلَيْهِ الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ وَالجَوَارِحُ وَالأَدَوَاتُ، فَسُبْحَانَهُ هُوَ المُنَزَّهُ عَنْ صِفَاتِ الجَوْهَرِ وَالعَرَضِ، وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ١٢﴾
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ البَغْدَادِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي رِسَالَتِهِ "المِصْرِيَّةُ": المَرَضُ: هُوَ الشَّكُّ، وَالمُرَادُ هُمُ الَّذِينَ قَصُرَتْ هِمَمُهُمْ عَنِ البَحْثِ




