المُقَدِّمَةُ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَلَى بَرَكَةِ اللهِ وَعَوْنِهِ نَبْدَأُ بِتَبْيِيضِ الجُزْءِ الثَّانِي مِنْ شَرْحِ دِيوَانِ أَبِي نُوَاسٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- .
لَقَدْ شَرَحْنَا فِي الجُزْءِ الأَوَّلِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ قَصِيدَةً مِنْهُ وَتَجَشَّمْنَا وَعُورَةَ المَسْلَكِ الطَّوِيلِ أَمَلَاً أَنْ يُرَجِّحَ ذَلِكَ العَمَلُ كِفَّةَ المِيزَانِ يَوْمَ الحِسَابِ.
لَاحَظْنَا وَسَوْفَ نُلَاحِظُ دِقَّةَ المَعَانِي الَّتِي تَكْمُنُ وَرَاءَ كُلِّ شَطْرٍ بَلْ كُلِّ كَلِمَةٍ عِنْدَ سَيِّدِ الشِّعْرِ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ دَرَجَتِهِ الدِّينِيَّةِ، فَقُدْرَتُهُ عَلَى الوُصُولِ إِلَى غَرَضِهِ مِنْ خِلَالِ أَلْفَاظِهِ وَصُوَرِهِ، قُدْرَةٌ تَسْحَرُ الأَلْبَابَ، وَتَدْعُو إِلَى العَجَبِ العُجَابِ، وَإِنِّي أَرَى فِي هَذِهِ المُقَدِّمَةِ أَنْ أُقَدِّمَ الدَّلِيلَ مِنْ أَقْوَالِهِ نَفْسِهَا فَهُوَ القَائِلُ عَنْ خَمْرَتِهِ الَّتِي يَظُنُّهَا الجَهَلَةُ خَمْرَةً مَادِّيَّةً:
«دَقَّ مَعْنَى الخَمْرِ حَتَّى | هَوَ فِي رَجْمِ الظُّنُونِ» | |
«كُلَّمَا حَاوَلَهَا النَّا | ظِرُ مِنْ طَرْفِ الجُفُونِ» | |
«رَجَعَ الطَّرْفُ حَسِيرَاً | عَنْ خَيَالِ الزَّرْجُونِ» |




