مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الحقائق في شعر ابي نواس - الجزء 2 - سيف الدين صالح

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 142 من 296

مَصَارِعُ الشَّارِبِينَ

«مَضَى لَيْلٌ وَأَخْلفَتِ النُّجُومُ

وَنَحْنُ لَدَى مَصَارِعِنَا جُثُومُ»

هَذَا البَيْتُ إِشَارَةٌ إِلَى إِجْبَارِ الخَلِيفَةِ المَأْمُونِ، مَوْلَانَا عَلِيَّ الرِّضَا -عَزَّ عَزُّهُ- لِقَبُولِ وَلَايَةِ العَهْدِ، وَمِنْ ثُمَّ قَتْلِهِ بِالسُّمِّ، جَاءَ فِي "بِحَارِ الأَنْوَارِ"(1): «الهَمْدَانِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الرَّيَّانِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا -عَزَّ عَزُّهُ- فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِنَّكَ قَبِلْتَ وَلَايَةَ العَهْدِ مَعَ إِظْهَارِكَ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا؟! فَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : «َدْ عَلِمَ اللهُ كَرَاهَتِي لِذَلِكَ فَلَمَّا خُيِّرْتُ بَيْنَ قَبُولِ ذَلِكَ وَبَيْنَ القَتْلِ اخْتَرْتُ القَبُولَ عَلَى القَتْلِ».

شَرْحُ البَيْتِ: زَالَ عَنَّا نَوْعٌ مِنَ الظُّلْمِ «بِتَسْلِيمِ الوَلَايَةِ لِمَوْلَانَا الرِّضَا -عَزَّ عَزُّهُ- »، وَأخْلفَتِ النُّجُومُ أَيْ: رَدَّتْ إِلَيْنَا مَا ذَهَبَ مِنَّا، أَيْ الوَلَايَةِ لِآلِ البَيْتِ، وَلَكِنَّنَا لَا نَزَالُ جَاثِمِينَ فِي أَمَاكِنِ قَتْلِنَا، وَيَعْنِي ذَلِكَ الإِشَارَةَ إِلَى غَدْرِ المَأْمُونِ بِمَوْلَانَا الرِّضَا -عَزَّ عَزُّهُ- وَقَتْلِهِ بِالسُّمِّ.

وَمِنَ الفَائِدَةِ أَنْ نَذْكُرَ مَا جَاءَ فِي "بِحَارِ الأَنْوَارِ"(2) وَنُقَارِنَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِ شَرْحِهِ: «حَدِيثٌ مُعَنْعَنٌ»، عَنِ الرِّضَا -عَزَّ عَزُّهُ- قَالَ: «قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- فِي المَنَامِ كَأَنَّهُ يَقُولُ لِي: كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا دُفِنَ فِي أَرْضِكُمْ بَضْعَتِي، وَاسْتُحْفِظْتُمْ وَدِيعَتِي وَغُيِّبَ فِي ثَرَاكُمْ نَجْمِي؟! فَقَالَ لَهُ الرِّضَا -عَزَّ عَزُّهُ- : أَنَا المَدْفُونُ فِي أَرْضِكُمْ، وَأَنَا بَضْعَةٌ مِنْ نَبِيِّكُمْ، وَأَنَا الوَدِيعَةُ وَالنَّجْمُ».

مُلَاحَظَةٌ: مَعْنَى "جَثمَ": تَلَبَّد بِالأَرْضِ.

* * *

«فَدَارِ كُلُومَ قَلْبِ أَخِيك لَيْلاً

فَإِنَّ فُؤَادَهُ أَبَداً كَلِيمُ»

فِي الشَّطْرِ الأوَّلِ: يَطْلُبُ مِنْ أَحَدِ إِخْوَانِهِ المُؤْمِنِينَ أَنْ يُرَاعِيَ جُرُوحَ قَلْبِهِ لَيْلاً أَيْ «فِي عَهْدِ عُلُوِّ دَوْلَةِ الضِّدِّ» وَهُوَ دَوْرُ السَّتْرِ.

وَفِي الشَّطْرِ الثَّانِي: يُؤَكِّدُ أَنَّ قَلْبَهُ جَرِيحٌ أَبَدَ الدَّهْرِ، كِنَايَةً عَنْ هُمُومِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِمَا سَيَحُلُّ بِمَوْلَاهُ وَمَوْلَانَا وَبِأَتْبَاعِهِ الأَبْرَارِ.

* * *

الهوامش

1كِتابُبِحَارِ الأَنْوَارِ: الجزء 49- صفحة 130.
2كِتابُبِحَارِ الأَنْوَارِ: صفحة 283.
الصفحة 142 من 296