قَالَ اِبْنُ الفَارِضِ:
وَأَضْلُعٌ نَحِلَتْ كَادَتْ تَقُوِّمُهَا | مِنَ الجَوَى، كَبِدِي الحَرَّى، مِنَ العَوَجِ |
"مُشَمَّرَةٌ": نَقُولُ: شَمَّرَ فُلَانٌ لِأَمْرٍ مَا أَيْ: تَأهبَ وَاسْتَعَدَّ لَهُ، وَبِهَذَا يَكُونُ المَعْنَى أَنَّ جَوَارِحَهُمْ وَنُفُوسَهُمْ فِي حَالَةِ اسْتِعْدَادٍ دَائِمٍ لِلسَّعْيِ فِي مَرْضَاةِ اللهِ تَعَالَى، وَالتَّشْمِيرُ عِنْدَ الصُّوفِيِّينَ: الاِنْقِيَادُ إِلَى المَطْلُوبِ عَلَى قَدَمِ التَّحْقِيقِ. وَبِإِشَارَةٍ عُلْيَا نَلْفِتُ الاِنْتِبَاهَ إِلَى بِلْقِيسَ: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾(1).
"خُوصُ العُيُونِ" أَيْ: أَنَّ عُيُونَهُمْ غَائِرَةٌ مع ضِيقِ مَا بَيْنَ الجَفْنَيْنِ. وَبهَذَا يَكُونُ المعَنْى كِنَايَةً عَنْ خُشُوعِهِمْ بَيْنَ أَيْادِي اللهِ وَعَنْ تَأَمُّلِهِمْ وَتَفَكُّرِهِمْ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَبِإِشَارَةٍ أَعْلَى نَذكِّرُ بِقَوْلِ الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- : «مَنْ نَفَى ما رأى وَأَثْبَتَ ماعِلَمْ وَعَبَدَ مَا وَجَدَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ».
"بَرِيئَاتٌ مِنَ الدَّاءِ" أَيْ: هُمْ يَتبْرَؤُونَ مِنَ الضَّلَالِ وَالجَهْلِ وَالشَّكِّ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ، وَفِي هَذَا القُولِ تَتَجَلَّى العَبْقَرِيَّةُ الشِّعْرِيَّةُ حَيْثُ أَرَادَ سَيِّدِي أَنْ يَلْفِتَ الاِنْتِبَاهَ إِلَى الصُّورَةِ المَعْنُوِيَّةِ فِي البَيْتِ، فَنَحْنُ لَوْ تَخَيَّلْنَا




