لَقَدْ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِالنُّورِ بِقَوْلِهِ: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾(1) وَوَصَفَ الصُّورَةَ بِالنُّورِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾(2)، مِنْ هُنَا يُمْكِنُ لِهَذَيْنِ النُّورَيْنِ أَنْ يَمْتَزِجَا فِي وِعَاءِ العَقْلِ أَوِ الخِيَالِ مِنْ حَيْثُ مِزَاجِ الإِنْسَانِ أَيْ طَبِيعَتِهِ البَشَرِيَّةِ المُرَكَّبَةِ لَا مِنْ حَيْثُ الذَّاتِ، وَهَذَا الاِمْتِزَاجُ تَتَوَلَّدُ عَنْهُ مَعْرِفَتَانِ: مَعْرِفَةٌ بَاطِنَةٌ كَنَّى عَنْهَا بِالأَنْوَارِ، وَمَعْرِفَةٌ ظَاهِرَةٌ كَنَّى عَنْهَا بِالأَضْوَاءِ، وَالأَنْوَارُ هِيَ الحُجُبُ «أَعْنِي الحُجُبَ الذَّاتِيَّةَ» حَيْثُ قَالَ الرَّسُولُ -عَزَّ عَزُّهُ- عَنْ رَبِّهِ: «حِجَابُهُ النُّورُ» وَالنُّورُ المُجَرَّدُ المَخْصُوصُ بِالذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ بِالإِحَاطَةِ حَيْثُ أَنَّهُ حِجَابٌ عَلَى نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ، وَالأَضْوَاءُ هِيَ آثَارُ النُّورِ، وَنَحْنُ نَرَى النُّورَ فِي البَصِيرَةِ وَنَرَى الضِّيَاءَ بِالبَصَرِ، فَالنُّورُ المُجَرَّدُ يُدْرَكُ بِهِ وَلَا يُدْرَكُ بِالإِحَاطَةِ لِأَنَّهُ عَيْنُ الذَّاتِ مِنْ حَيْثُ التَّجَرُّدِ عَنِ النِّسَبِ وَالإِضَافَاتِ، وَلَقَدْ قَالَ السَّيِّدُ أَبُو عَبْدِاللهِ الخُصَيبِيُّ -نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ- : «نَرَاهُ نُوراً مُمَثَّلًا أَبَدَاً».
وَهُنَا عَلَيْنَا أَنْ نَنْتَبِهَ إِلَى لَفْظَةِ «مُمَثَّلًا» وَنَعْرِفَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ تَكُونُ عَلَى مِقْدَارِ القَوَابِلِ وَالاِسْتِحْقَاقِ، وَلَا يَخْفَى عَلَى العَارِفِينَ أَنَّ النُّورَ وَالضِّيَاءَ وَالظِّلَّ هُمُ الصُّورَةُ المَرْئِيَّةُ وَهُمُ الذَّاتُ، كَمَا جَاءَ فِي المُفَضَّلِيَّةِ، وَأَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا




