وَمَا يُؤَكِّدُ هَذَا القَوْلَ تَصْرِيحُ أَبِي نُوَاسٍ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: «أُقِرُّ بِالذَّنْبِ وَلَمْ آتِهِ»، سُئِلَ سَيِّدِي أَبُو نُوَاسٍ عَنْ سِرِّ تَغَزُّلِهِ بِالغِلْمَانِ فَقَالَ: «وَاللهِ مَا حُلَّتْ سَرَاوِيلِي لِحَرَامٍ قَطُّ».
أَلَا يَكْفِي سَيِّدِي أَبَا نُوَاسٍ بِأَنَّ جَمِيعَ حُجَّاجِ المُسْلِمِينَ إِلَى بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ يُرَدِّدُونَ قَصِيدَتَهُ المَشْهُورَةَ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ»(1)، تَاللهِ لَوْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُ المُغْرِضُونَ مَا سُمِحَ بِتَرْدَادِ قَصِيدَتِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ الحُجَّاجِ عَلَى مَدَى الزَّمَن. «عِلمَاً أَنَّهَا نُسِبَتْ لِغَيْرِهِ».
جَاءَ فِي كِتَابِ "مُخْتَارِ الأَغَانِي": «كَانَ العَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَتَشَوَّقُ أَبَا نُوَاسٍ وَيَمِيلُ إِلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ وَرَأَى ظَرْفَهُ وَكَمَالَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: يَا أَبَا عَلِيٍّ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لَكَ شَيْئاً فَاسْتَحييكَ وَاسْتَحْيِي نَفْسِي فِي تَرْكِ نُصْحِكَ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ مُكِبٌّ عَلَى المَعَاصِي وَالمُجُونِ، فَقَالَ أَبُو نُوَاسٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- : أَيُّهَا الأَمِيرُ أَمَّا المَعَاصِي فَإِنِّي أَثِقُ فِيهَا بِعَفْوِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ، فَوَاللهِ لَوَ أَنَّ "السِّنْدِيَّ" يَقُولُ مَا قَالَهُ اللهُ تَعَالَى لَوَثِقْتُ بِهِ فَكَيْفَ بِقَوْلِ رَبِّ العَالَمِينَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ




