وَالثَّانِي: أَنْ تُخْرِسَ أَلْسِنَةً تَتَّهِمُكَ وَبَعْضَ سَلَفِكَ بِالرِّدَّةِ عَنِ الطَّرِيقَةِ.
فَتَأَمَّلْتُ كَلَامَهُ وَنَصِيحَتَهُ، فَرَأَيْتُهَا نِعْمَ النَّصِيحَةُ، وَطَفِقْتُ عَلَى نَفْسِي وَدَوَّنْتُ عِنْدِي صُحُفًا كَتَبْتُ فِيهَا أَوَّلَ القَوْلِ فِي الأَمْرِ، ثُمَّ أَغْرَبْتُ عَنْهَا حِينًا مِنَ الدَّهْرِ لِكَثْرَةِ العَمَلِ الدِّينِيِّ الَّذِي يَنْحَصِرُ عِنْدَنَا فِي تَشْيِيعِ جَنَازَةٍ أَوْ تَعْلِيمِ تِلْمِيذٍ أَوْ إِقَامَةِ خَيْرٍ مِنَ الخَيْرَاتِ الَّتِي يَتَسَابَقُ المُؤْمِنُونَ لِإِقَامَتِهَا يَرْجُونَ بِهَا الثَّوَابَ.
وَلِأَنِّي رَأَيْتُ نَفْسِي أَعْجَزَ مِنْ إِكْمَالِهَا لِمَا رَأَيْتُ قِلَّةَ بَيَانِهَا وَضَعْفَ تَرْتِيبِهَا، فَبَقِيَتْ عَلَى حَالِهَا حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ حَتَّىٰ ذَكَرْتُهَا لِلْإِخْوَةِ، فَطَلَبُوا التَّعْجِيلَ بِهَا لِمَا ظَهَرَ مَا يُسَمُّونَهُ التَّشَيُّعَ، وَانْتَشَرَ بَيْنَ ضُعَفَاءِ النُّفُوسِ وَأَرْذَالِ القَوْمِ وَبَعْضِ المُغَرَّرِ بِهِمْ، وَأَصْبَحْتَ تَرَى فِي سَاحَاتِنَا مِنْ شَبَابٍ تَائِهِينَ ارْتَدُّوا عَنِ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ، وَبَدَأَ الوَاحِدُ يُجَاهِرُ أَهْلَهُ بِالتَّكْفِيرِ وَالاتِّهَامِ بِالغُلُوِّ، ثُمَّ يَصِفُ وَالِدَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ، حَتَّىٰ أَنَّ أَحَدَ هَؤُلَاءِ يَحْمِلُ كَأْسَ المَاءِ بِجَيْبِهِ كَيْ لَا يَشْرَبَ مِنَ الكَأْسِ الَّتِي يَشْرَبُ مِنْهَا أَبَوَاهُ وَإِخْوَتُهُ.
فَوَاعَجَبًا، أَهَذِهِ أَخْلَاقُ آلِ مُحَمَّدٍ!، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الَّذِينَ أَتَوْا مِنْ دُوَلٍ مُجَاوِرَةٍ لَا يَسْتَطِيعُونَ العَيْشَ فِيهَا، فَتَعَمَّمُوا هُنَا قُرْبَ مَشْهَدِ السَّيِّدَةِ زَيْنَبَ -عَزَّ عَزُّهُ- وَأُرْسِلُوا إِلَيْنَا، وَهُمْ بِالعَشَرَاتِ لَا أَحَدَ يَعْرِفُهُمْ، لَا فِي بُلْدَانِهِمْ هُنَاكَ وَلَا فِي سُورِيَّةَ عِنْدَنَا، وَالوَاحِدُ مِنْهُمْ يَسْتَغِلُّ ضَعْفَ الثَّقَافَةِ الدِّينِيَّةِ عِنْدَ بَعْضِ




