فَالنَّفْيُ لِلنَّاسُوتِ، إِذِ اللَّهُ لَيْسَ جُزْءاً مِنْ شَيْءٍ أَوْ دَاخِلاً فِي شَيْءٍ، وَقَدْ مَكَّنَنَا مِنْ رُؤْيَةِ صُورَةٍ فَرَأَيْنَا، وَأَتَاحَ لَنَا فَاجْتَهَدْنَا، وَشَاهَدْنَا بِمَا نَسْتَحِقُّ وَلَكِنَّنا لَانَسْتَطِيعُ دُونَ الإِدْرَاكِ الحِسِّيِّ مَعْرِفَةَ المَعَانِي المُجَرَّدَةِ، لِأَنَّ المَوْهُومَ كَالْمَعْدُومِ وَلَا نَصِلُ لِمَعْرِفَةٍ تَامَّةٍ بِغَيْرِ الحِسِّ.
انْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾(1)، فَلَمْ يَصِلْ إِلَى اليَقِينِ إِلَّا مِنْ خِلَالِ مَعْرِفَةِ بَاطِنِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ.
فَهَلْ هُمَا مُجَرَّدُ مَادَّةٍ لَاقِيمَةَ لَهُمَا، أَمْ هُمَا الطَّبِيعَةُ بِظَوَاهِرِهَا وَالقَوَانِينِ المُتَحَكِّمَةِ بِهَا، وَلِهَذِهِ الطَّبِيعَةِ مَاوَرَاءَهَا؟
وَمِنَ المِثَالِ عَلَى ذَلِكَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾(2) فَلَاحِظْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ فِي تَرْكِيبِ اللَّفْظِ هُوَ المُضَافُ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَيْسَ العَكْسُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لِتَثْبِيتِ العَارِفِينَ قَالَ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، وَلَمْ يَقُلْ نُورُهُ، فَضَرَبَ المِثَالُ، وَلَكِنَّهُ مِثَالٌ عَلَى مَحْسُوسٍ لِإِدْرَاكِ الحَقِيقَةِ.
فَالْحَقِيقَةُ: إِنَّ الصُّورَةَ أَصْلٌ، وَأَنَّ مُشَاهَدَةَ الخَلْقِ لَهَا فَرْعٌ، فَمِنَ الخَلْقِ مَنْ رَأَى نَاسُوتاً عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِ، وَمِنْهُمْ مِنْ رَأَى النُّورَ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ




