وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ وَغَيْرُهَا جَمِيعًا تَدُلُّ عَلَىٰ أَنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ دَعَا عِبَادَهُ لِمَعْرِفَتِهِ لَا بِوَاسِطَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ وَاسِطَةٌ فَهُوَ أَظْهَرُ مِنْهَا، وَإِلَّا جَازَتْ عِبَادَتُهَا مَعَهُ، حَاشَاهُ سُبْحَانَهُ.
وَقَدْ رَدَّ الأَمِيرُ المَكْزُونُ السِّنْجَارِيُّ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- أَيْضًا فِي رِسَالَتِهِ "تَزْكِيَةُ النَّفْسِ" فَقَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ عَرَفْتُ الحَقَّ بِالعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ فَاقْتَنَعَ مِنَ المعرِفَةِ بِعَجْزِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وَذَلِكَ سَبِيلُ الحَائِرِينَ، وَهُوَ خَيْرُ كَلَامٍ فِي هَذَا المَوْرِدِ، فَكَيْفَ أَعْبُدُ مَالَا أَعْرِفُ قَيُّومِيَّتَهُ مِنْ فَقْرِهِ وَدَيْمُومَتِهِ مِنْ فَنَائِهِ، فَلَوْ كَانَ مَجْهُولًا فَلَا صِلَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ المَجْهُولِ، وَلَعَلَّ الوَاسِطَةَ إِنْ دَلَّتْ عَلَيْهِ هِيَ مُدَبِّرَةُ أَمْرِهِ، جَلَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ أَنْ تَفْتَرِضَ أَنَّهُ لَاشَيْءَ يُوصِلُكَ لِمَعْرِفَةِ شَيْءٍ عَنْهُ، لِأَنَّ مُجَرَّدَ وُجُودِهِ يَعْنِي إِمْكَانَ مَعْرِفَتِهِ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ وَبِمِقْدَارِكَ أَنْتَ، إِذْ هُوَ أَقْدَمُ وُجُودًا مِنْكَ وَأَكْثَرُ عِلْمًا بِكَ، بَلْ هُوَ القَدِيمُ وَهُوَ العَلِيمُ وَهُوَ الحَقِيقَةُ المُطْلَقَةُ.
فَالقَوْلُ أَنْ تَعْبُدَ مَنْ لَا تَعْرِفُ عَنْهُ شَيْئًا لَامَعْنَى لَهُ، وَكَيْفَ تَعْبُدُهُ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ هَلْ مَوْجُودٌ أَمْ فَنِيَ مُنْذُ زَمَنٍ سَحِيقٍ؟ وَعَلَىٰ هَذَا فَقِسْ مَاسِوَاهَا.
ثُمَّ قَالَ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- : وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَرَفْتُهُ فِي مَصْنُوعَاتِهِ وَآثَارِ الصِّفَةِ وَذَلِكَ مَقَامُ المُنْقَطِعِينَ، وَهَذَا أَنْجَعُ الدَّوَاءِ.




