وَبِالنِّسْبَةِ لِلأَحَادِيثِ القَائِلَةِ بِعَدَمِ إِقَامَتِهِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ: فَهِيَ صَحِيحَةٌ لَيْسَتْ خَاطِئَةً، وَلَكِنْ فَلْنُحَلِّلْ مَعْنَاهَا، فَمِنْهَا قَوْلُ الحَدِيثِ: مَنْ عَرَفَ البَاطِنَ سَقَطَ عَنْهُ الظَّاهِرُ.
وَمِنْهَا قَوْلُ شَيْخِ الدِّينِ: وَلَا يَحِلُّ لِعَبْدٍ تَرْكُ ظَاهِرِهِ، حَتَّى يَكُونَ عَلِيماً بِالَّذِي بَطَنَا وَهِيَ مِنْ حَيْثُ العَدَدُ حَوَالِي عِشْرِينَ حَدِيثاً فَقَطْ.
وَلَكِنَّنَا نَسْأَلُ: مَتَى سَنَعْرِفُ البَاطِنَ كُلَّهُ حَتَّى يَسْقَطَ عَنَّا الظَّاهِرُ؟ فَمَثَلًا عِدَّةُ العَالَمِ الصَّغِيرِ الرُّوحَانِي مِئَةٌ وَتِسْعَةَ عَشَرَ أَلْفاً.
مَتَى سَنُحْصِي عَدَدَهُم وَأَسْمَاءَهُم؟ بَلْ عِدَّةُ العَالَمِ الكَبِيرِ الَّذِينَ هُم خَمْسَةُ آلَافٍ؟
بَلْ قُلْ فَلْنُحْصِي ظُهُورَ المَعْنَى فِي سَائِرِ القِبَابِ، وَالآيَةُ تَقُولُ: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾.
أَي كُلُّ أُمَّةٍ كَانَ فِيهَا ظُهُورٌ؟
وَهَلْ كَانَتِ المَعْرِفَةُ إِحْصَاءَ العِلْمِ فَقَطْ؟
إِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِبْلِيسُ أَشَدُّ العَارِفِينَ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةٍ؟
المَعْرِفَةُ أَدَبٌ وَسُلُوكٌ، وَالعِلْمُ وَحْدَهُ لَيْسَ مَعْرِفَةً.




