وَلِذَلِكَ قِيلَ: أَوَّلُ الحُرُوفِ نُقْطَةٌ، وَأَوَّلُ السَّيْلِ قَطْرَةٌ.
وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ وَأَبْحَاثٌ لَا تُحْصَى لِأَهْلِ العِلْمِ مِنْ هَذَا النَّوعِ تَرَكْنَاهَا إِيجَازًا، وَكُلُّهَا تُشِيرُ إِنَّ الغَايَةَ الكُلِّيَّةَ المُشَارَ إِلَيْهَا مِنَ العَارِفِينَ بِالغَيْبِ المَنِيعِ أَوِ النُّقْطَةِ الوَهْمِيَّةِ أَوِ القُوَّةِ الأَزَلِيَّةِ الفَعَّالَةِ أَوِ الأَمْرِ الإِلَهِيِّ أَوِ الإِرَادَةِ أَوِ المَشِيئَةِ هِيَ بِحَقِيقَتِهَا وَجَوْهَرِهَا وَذَاتِهَا الصُّوَرُ المَرْئِيَّةُ بِإِضَافَتِهَا إِلَى القُدْرَةِ لَا بِرُؤْيَتِهَا بِالصُّورَةِ.
وَلَمَّا كَانَ مِنْ مَعَانِي الغَيْبِ، مَا خَفِيَ عَنِ الحِسِّ -قَرُبَ أَوْ بَعُدَ- وَمَا أُدْرِكَ بِالدَّلَائِلِ وَالآيَاتِ، صَارَ الإِيمَانُ بِالغَيْبِ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ العَارِفِينَ تَصْدِيقًا بِالقَلْبِ، وَإِقْرَارًا بِاللِّسَانِ، وَعَمَلًا بِالأَرْكَانِ، كَمَا يَقُولُ الإِمَامُ -عَزَّ عَزُّهُ- وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الإِيمَانَ بِالغَيْبِ هُوَ الْسَّتِيقَانُ مَعْرِفَةُ اللهِ غَيْبًا، وَشَهَادَةٌ بِلَا فَرْقٍ وَتَصْدِيقٌ لِرَسُولِ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- بِمَا جَاءَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ رُؤْيَةً وَسَمَاعًا، وَتَسْلِيمٌ لِأَقْوَالِ الأَئِمَّةِ الطَّاهِرِينَ -عَزَّ عَزُّهُمْ- خَبَرًا وَمُشَاهَدَةً، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ آمَنَ بِشَيْءٍ، عَارِفًا بِهِ فَهُوَ مُصَدِّقٌ لَهُ، سَوَاءٌ هُوَ غَائِبٌ عَنْهُ أَوْ مُشَاهَدٌ عِنْدَهُ.




