وَقِيلَ لِرَسُولِ اللهِ: -عَزَّ عَزُّهُ- كَيْفَ رَأَيْتَ رَبَّكَ لَيْلَةَ المِعْرَاجِ؟ فَقَالَ: نُورَانِيًّا أَرَاهُ. وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ النُّورَ المُجَرَّدَ المُطْلَقَ لَا تُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ، لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَحْسُوسٌ، وَالآخَرُ مَعْقُولٌ.
فَالْبَصَرُ لَا يَتَعَدَّى رُؤْيَةَ المُبْصَرَاتِ الجِسْمِيَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِهِ وَالعَقْلُ لَا يُدْرِكُ إِلَّا المُدْرَكَاتِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي هُوَ مُتَجَوْهِرٌ بِهَا، وَإِنَّ مُبْدِعَ القِسْمَيْنِ مُتَعَالٍ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُدْرَكًا كَالوِاحِدِ مِنْهُمَا.
فَالنُّقْطَةُ إِذًا بِدَايَةُ كُلِّ مَوْجُودٍ، وَنِهَايَةُ كُلِّ مَوْجُودٍ، وَسِرُّ الغَيْبِ المُمْتَنِعِ الحِلِّ إِلَّا لِأَهْلِ الشُّهُودِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِمَعْرِفَتِهَا مِنْ غَيْرِ حُدُودٍ.
وَالقَوْلُ الفَصْلُ بِهَذِهِ النُّقْطَةِ لِأَصْحَابِ الطَّرِيقَةِ الخُصَيْبِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: يَقَعُ اسْمُ الغَيْبِ المَنِيعِ عَلَى الذَّاتِ العَلِيَّةِ مَجَازًا، وَعَلَى غَيْرِهَا حَقِيقَةً فِعْلِيَّةً وَمَعْنَى هَذَا: إِنَّ الذَّاتَ الأَزَلِيَّةَ لَيْسَتْ بِحَقِيقَتِهَا غَيْبًا مَنِيعًا، وَلَا عَدَمًا وَهْمًا وَإِنَّمَا نَحْنُ الَّذِينَ وَقَفْنَا عِنْدَ هَذَا الحَدِّ مِنَ القَوْلِ وَالتَّصَوُّرِ لِعَجْزِنَا عَنْ مُوَاجَهَةِ قُدْرَتِهَا القَاهِرَةِ، وَنَحْنُ المُتَوَهِّمُونَ بِهَا لعَدَمِ اسْتِطَاعَتُنَا مُقَابَلَةَ قُوَّةِ إِشْرَاقِ نُورِهَا بِالفَيْضِ المُطْلَقِ الَّذِي ظَهَرَ لَنَا، فَقَلَبَ أَبْصَارَنَا وَأَفْئِدَتَنَا.




