ظِلَالِهَا عن الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ تَظَلَّلَ عَلَيْهِمْ غَمَامُهَا وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سِينَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ(1).
تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ تَقْرِضُهُمْ(2) ذَاتَ الشِّمَالِ، تطَوفُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، الْبَازِغَةِ بِسُفُورِهَا(3) لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الرَّاخِيَةِ(4) ظِلَالَ السَّنَا(5) فِي طُورِ سِينَاءَ الْحَجَرَةِ الْمُنْبَجِسَةِ مِنْهَا اثْنَتَا عَشْرَة عَيْناً تَفِيضُ عَلَيْهِمْ بِفَوْرِهَا وَيَتَلَذَّذُونَ بِكَأْسِ الرُّؤْيَةِ بِظُهُورِهَا يَرَوْنَ صِبْغَتَهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ضِيَاؤهَا يشْرِقٌ فِي رَحْبِ رِيَاض(6) الْبَلَدِ الْأَمِينِ تَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِأَنْهَارٍ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ(7) وَأَنْهَارٍ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٍ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٍ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ عَيْنُ الْحَيَاةِ تَرَاءَتْ لَهُمْ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ يَثُجُّ مَاؤُهَا فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ سَفِينَةُ النَّجَاةِ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا فَسَارَتْ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجِ كالْجِبَالِ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ(8) كَمَا قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- : ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾(9)
اعْلَمْ إِنَّ الْإِنْسَ لَا يَكُونُ إِلَّا إلى غَايَةِ وَغِيَاثِ وَاللُّجُوءِ وَالِاقْتِبَاسِ لَا يَكُونُ إِلَّا إِلَى نِهَايَةٍ وَإِنَّ السَّيِّدَ مُوسَى لَمْ يُدَاخِلْهُ مَا يُدَاخِلُ غَيْرَهُ وَلَمْ تَكُنْ إِشَارَتُهُ إِلَّا إِلَى لمَوْلَاهُ الظَّاهِرِ يَوْمَئِذٍ بِالنَّارِ وَالْقَبَسِ وَالْجَذْوَةِ الَّذِينَ رَآهُمُ الْخَلِيلُ فِي صِفَةِ الْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُمْ فِي الْمِلَّةِ الْمَسِيحِيَّةِ بِالْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ قَوْلَنَا وَيَزِيدُهُ وُضُوحاً مَا نَطَقَ بِهِ الْحَقُّ فِي آيَةِ النُّورِ بِكِتَابِهِ الْمَسْطُورِ الَّذِي يَجْلِي رَانَ الْحُجُورِ وَيَشْفِي وَقْز الصُّدُورِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ




