فَتَأَمَّلْ أَيُّهَا الْأَخُ الْكَرِيمُ وَالسَّيِّدُ الْفَخِيمُ مَا قَصَّهُ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾(1) حَتَّى إِذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ يَعْنِي عَلَا إِلَى مَنْزِلَةٍ خَفِيَّةٍ وَبَلَغَ دَرَجَةً بَاطِنَةً دَقَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَكَادَ أَنْ يَخْفَى عَنْهُ فَتَطَلَّعَ نَحْوَ مَعْرِفَتِهَا تَطَلُّعاً مَزِيداً وَتَلَهَّفَ تَلَهُّفاً مريداً فَلَاحَتْ لَهُ صِفَاتٌ ضِيَائِيَّةٌ(2) وَأَوْصَافٌ عَلَوِيَّةٌ فَقَالَ: هَذِهِ النِّهَايَةُ وَبُلُوغُ الْغَايَةِ هَذَا رَبِّي، أَعْنِي الْكَوْكَبَ إِشَارَةً إِلَى الْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ الْمُسْفِرِ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْبَازِغِ(3) مِنْ غَارِ النُّورِ ولَمَّا رَآهُ الْخَلِيلُ فِي صِفَةِ الْكَوْكَبِ أَذْعَنَ لَهُ بِالْإِقْرَارِ وَاعْتَرَفَ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ بِقَوْلِهِ: هَذَا رَبِّي، وَلَمْ يَزَلْ مُسْتَقِيماً عَلَى ذَلِكَ الْإِقْرَارِ وَلَمْ يَنْفِهِ فَلَمَّا أَفَلَ أَعْنِي أَظْهَرَ الْغَيْبَةَ قَالَ: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، أَيْ لَا أُحِبُّ غِيَابَكَ عَنِّي إِشَارَةً لِعَدَمِ الْغَيْبَةِ وَاسْتِقَامَةِ الْوُجُودِ وَنَهْياً عَنْ عِبَادَةِ الْغَيْبِ حَتَّى إِذَا قَبِلَهَا عِلْماً وَبَلَغَهَا فَهْماً صَارَ إِلَى أخْفَى منها، فَأَشْرَقَ لَهُ نُوراً أَعْنِي الْقَمَرَ بَازِغاً وَأَنْوَرَ مِنْ ضوءهَا قَالَ: هَذَا رَبِّي، أَعْنِي الشَّمْسَ قَالَ: هَذَا أَكْبَرُ، فَلَمَّا أَشْرَقَتْ شَمْسُ الْوُجُودِ كَشْفاً ثَلَّثَ بِالشَّهَادَةِ وَالْإِقْرَارِ فَقَالَ: هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ، أَيْ هَذَا أَكْشَفُ وَأَجْلَى وَأَبْيَنُ وَإِنَّمَا مَثَّلَهُ بِالشَّمْسِ لِزِيَادَةِ فَيْضِ الْإِشْرَاقِ فَكَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مَعَ وُجُودِ الشَّمْسِ ظُلْمَةٌ وَلَا سِتْرٌ وَلَا خَفَاءٌ فَكَذَلِكَ لَيْسَ فِي هَذَا الْوُجُودِ شُبْهَةٌ وَلَا ظَنٌّ وَلَا وَهْمٌ ولَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ الْإِقْرَارِ بِالتَّثْلِيثِ لَمْ يَكُنْ شِرْكاً بَلْ هُوَ تَوْحِيدٌ مَحْضٌ وَمَا سِوَاهُ هو الكُفْرٌ وَالشِرْكٌ وَالضَلَالَ لِعَدَمِ إِقْرَارِهِمْ لَهُ وَجُحُودِهِمْ بِهِ ثُمَّ ذَهَبَ مُشِيراً إِلَى مَا عَنَي وَمَا شَاهَدَ بِهِ عِيَاناً وبَيَاناً بِقَوْلِهِ: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، دَلَالَةً عَلَى أَنَّ التَّوْجِهَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُعَايَنٍ مَوْجُودٍ لَا إِلَى غَائِبٍ مَفْقُودٍ.
1سورة الأنعام – الآية 75
2صِفَاتٌ رُوحَانِيَّةٌ وَإِلَهِيَّةٌ مُشْرِقَةٌ وَمُضِيئَةٌ، تَتَجَلَّى لِصَاحِبِهَا بِالنُّورِ وَالْوُضُوحِ لِتَكْشِفَ لَهُ أَسْرَارَ الْمَعْرِفَةِ.
3الطَّالِعُ أَوِ الْمَشْرِقُ الَّذِي يَشُقُّ الظَّلَامَ بِنُورِهِ السَّاطِعِ.




