وَإِنْ قَالَ: إِنَّهُمْ خُلِقُوا مُؤَدَّبِينَ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى ذَلِكَ فَيَا لَيْتَ عِلْمِي هَلْ هُمْ أَرْفَعُ مَنْزِلَةً وَأَجَلُّ قَدْراً مِنْ مُحَمَّدٍ حِجَابِهِ -عَزَّ عَزُّهُ- حِينَمَا سَبَّحَ الْمَعْنَى نَفْسَهُ فَسَبَّحَهُ الِاسْمُ الْعَظِيمُ وَمَجَّدَ نَفْسَهُ فَمَجَّدَهُ الْحِجَابُ الْقَدِيمُ وَهَلَّلَ نَفْسَهُ فَهَلَّلَهُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ، فَإِذَا كَانَ اسْمُهُ الْأَعْظَمُ مُفْتَقِراً إِلَيْهِ فَمَا بَالُ مَنْ هُمْ دُونَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَرَاتِبِ وَلِمَ لَا يَظْهَرُ لَهُمْ كَمِثْلِ صُوَرِهِمْ وَيُؤَدِّبُهُمْ بِظُهُورِهِ لِأَنَّ الْجِنْسَ لَا يَفْهَمُ إِلَّا عَنْ جِنْسِهِ وَلَوْ ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ لاهوتيته لَمْ يَسْتَطِيعُوا الْمُقَابَلَةَ لذلك وَلَكِنْ ظَهَرَ لَهُمْ بِحَيْثُهُمْ وَأَرَاهُمُ الْقُدْرَةَ فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِهِمْ ذَلِكَ فَحِينَمَا حَقَّقُوهُ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ آمَنُوا بِهِ وَشَهِدُوا لَهُ بِالْإلُهِيَّةِ وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ ظَهَرَ لَهُمْ وَغَابَ كَمَا ظَهَرَ لَنَا في الْبَشَرِيَّةِ وَأَدَّبَنَا وَغَابَ عَنَّا نقُولُ: لِأَنَّنَا من شكلنا الْعَجْزُ وَالْفَنَاءُ فََظْهَرُ لَنَا عَلَى أَمْثَالِنَا وَأُورِي إِنَّهُ مَاتَ وَفَنِيَ وَهُوَ يَجِلُّ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَأَهْلُ النُّورِ مِنْ أَشْكَالِهِمُ الدَّوَامُ وَالْبَقَاءُ فَظَهَرَ فِيهِمْ يَغِيبُ كمايَغِيبُونَ وَيَظْهَرُ كما يَظْهَرُونَ.
وَسَنَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ بِشَوَاهِدَ جَلِيَّهٍ تَجْلِي رَانَ(1) الْجُحُودِ وَتَشْفِي وَغرَ(2) الصُّدُورِ مِنْهَا مَا قَالَهُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي "التَّوْرَاةِ الْمُقَدَّسَةِ" فِي السِّفْرِ الْخَامِسِ وَهُوَ سِفْرُ الْمُلُوكِ: جَاءَ اللهُ مِنْ طُورِ سِينَاءَ وَاسْتَعْلَنَ مِنْ سَاعِيرَ وَأَشْرَقَ مِنْ فارَانَ لإِنَّ كُلَّ اسْمِ مَدِينَةٍ مِثْلَ سَاعِيرَ أوَفارَانَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَمْدُوحَةِ فِي الْكُتُبِ وَالدَّوَاوِينِ (هِيَ السَّمَاءِ الْمُحِيطَةِ) وَهِيَ مَرْكَزُ الْأَنْوَارِ وَالْإِشْرَاقِ: ظُهُورُ الْحَقِّ بِالصُّورَةِ الْمُتَلَأْلِئَةِ الظَّاهِرَةِ لِلْأَبْصَارِ.
يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي "الزَّبُورِ" إِذْ قَالَ الرَّبُّ: مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَقَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ لِيَنْظُرَ هَلْ من فاهم طَالِبٌ للهِ، وَقَالَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ فِي "الْإِنْجِيلِ": أَنَا ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمُ السَّمَاوِيِّ، أَيْ إِلَهِي وَإِلَهِكُمْ.
وَرُوِيَ فِي أَشْعِيَا أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ قَدِيمَ الْأَيَّامِ عَلَى كُرْسِيٍّ مِنْ نُورٍ بِصُورَةِ الشَّابِّ الْمُؤْنِقِ وَرِجْلَاهُ فِي خَضِرَةِ وَحَوْلَهُ الْمَلَائِكَةُ الْكِرَامُ.
انْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ إِلَى قَوْلِ أَشْعِيَا أَنَّهُ قَالَ: قَدِيمُ الْأَيَّامِ وَلَمْ يَقُلْ قَدِيمُ السِّنِينَ وَالْأَعْوَامِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَرْمِيَا النَّبِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ الرَّبَّ الْقَدِيمَ فِي صُورَةِ الشَّابِّ مَفْتُولِ السِّبَالِ يَتَغَيَّرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ نَظْرُهُ وَفِي كُلِّ نَظْرَةٍ صُورَةٌ
وَأَنَارَ ذَلِكَ بُرْهَاناً وَاضِحاً فِي الْقُرْآنِ الشَّرِيفِ بِقَوْلِهِ -عَزَّ وَجَلَّ- : ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ الرَّسُولُ -عَزَّ عَزُّهُ- : إِنَّ اللهَ يَتَّخِذُ فِي الْجَنَّةِ مَنْظَرَةً تَبْرُزُ صُورَتُهُ مِنْهَا يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ.




