قُدْرَتَهُ ثُمَّ أَنَارَ نُورَهُ مِنْ حِجَابٍ غَائِبٍ عَنِ الْأَبْصَارِ مَوْجُوداً لِوَاجدِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ اسْمُهُ السَّنِيُّ(1) وَنُورُهُ الْبَهِيُّ(2) وَوَجْهُهُ الْمُضِيءُ لَا يُرَى ذَٰلِكَ إِلَّا بِالنَّظَرِ الْعَقْلِيِّ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالْحَوَاسِ مَنْ شَاكَلَ الْحَوَاسَّ وَاللهُ مَعْرُوفٌ بِالْحَوَاسِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي هِيَ الْفِكْرُ وَالذِّكْرُ وَالْفِطْنَةُ وَالْحِكْمَةُ وَالْهِمَّةُ وَهِيَ الْحَرَكَاتُ الْعَقْلِيَّةُ الْمُضِيئَةُ،ْفبضِيَاءِ الْقُدْرَةِ يَنْقَدِحُ(3) لُطْفُ الْفِكْرِ وَبِالْفِكْرِ يَشْهَدُهُ الْعَقْلُ وَبِالذِّكْرِ يُثْبِتُهُ الْعْقلُ وَبِالْفِطْنَةِ تَنْمُو الْمَعْرِفَةُ وَبِالْحِكْمَةِ الصَّادِقَةِ تُنَاجِيهِ الرُّوحُ الْعَلَّامَةُ وَبِالْهِمَّةِ يَتَّضِحُ وُجُودُهُ وَبِوُجُودِهِ يَصَّحُ ظُهُورُهُ وَبِظُهُورِهِ يَصِحُّ الْيَقِينُ وَبِالْيَقِينِ يَصِحُّ النَّظَرُ الشَّافِي فَأَمَّا الْحَوَاسِ الظَّاهِرَةِ فَقَدْ أَشْرَكَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِيطُ بِهِ عِلْماً وَيَحُدُّهُا فِهِمْا لِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الِانْفِعَالِ وَمِنَ التَّغَيُّرِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَمَنْ كَانَ بَرِيئاً مِنْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ بِمُحْدَثٍ وَاعْلَمْ يَا حُمْرَانُ أَنَّ جَوْهَرَ ذَاتِهِ لَا يَلِيقُ بِجَوْهَرِيَّةِ خَلْقَهِ فَقُلْتُ: يَا مَوْلَايَ فَمَا تِلْكَ الصُّورَةُ وَالْجِسْمُ وَالْحَوَاسُّ الَّتِي رَأَيْنَاهَا؟ فَقَالَ: يَا حُمْرَانُ إِنَّ مُعِلَّ الْعِلَلِ لَيْسَ كَالْعِلَلِ وَلَا فِطْرَةً فَيَكُون كَالْمُنْفَطِرَاتِ بَلْ تِلْكَ الصُّورَةُ الَّتِي أَظْهَرَهَا هِيَ قُدْرَةُ الْقَدِيرِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ لَمْ يَبِنْ منْهَا فَتُدْعَى غَيْرَهُ وَلَا انْفَصَلَتْ عَنْهُ فَتَكُونَ سِوَاهُ بَلْ بَدَتْ غَيْباً مِنْ غَيْبٍ هُوَ هِيَ وُجُوداً وَإِثْبَاتاً وَيَقِيناً وَهُوَ لَا يُحَاطُ بِهِ إِذْ هُوَ الْأَزَلُ الْقَدِيمُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ عِلْمُهُ بَادٍ مِنْهُ وَهُوَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَاتِهِ دَلِيلٌ وَمَدْلُولٌ عَلَيْهِ فَهَٰذَا يَا حُمْرَانُ الْوَجْهُ الْبَيِّنُ فِي مَعْرِفَةِ الله -عَزَّ وَجَلَّ- وَلَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ.
وَمِمَّا وَرَدَ فِي كِتَابِ "الْأُسُوسِ" مَا قَالَهُ السَّائِلُ لِلْعَالِمِ: أَخْبِرْنِي عَمَّا يَكُونُ فِي اللهِ وَمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ وَمَا يُمْكِنُ مِنْهُ وَمَا لَا يُمْكِنُ مِنْهُ وَأَيْنَ هُوَ وَفِي أَيِّ شَيْءٍ هُوَهَلْ هُوَ خَارِجٌ عَنْ خَلْقِهِ أَمْ دَاخِلٌ فِيهِمْ أَمْ لَا دَاخِلٌ وَلَا خَارِجٌ أَمْ هُوَ مُمَازِجٌ(4) خَلْقَهُ أَمْ مُبَايِنٌ(5) أَمْ لَا مُمَازِجٌ وَلَا مُبَايِنٌ، وَمَا حَدُّ الْمَعْرِفَةِ الَّتِي إِذَا عَرَفَهَا الْعَارِفُ كَفَتْهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى مَعْرِفَةِ غَيْرِهَا قَالَ الْعَالِمُ: أَمَّا أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ أُجِيبُكَ عَنْهَا فَهِيَ آخِرُ مَسْأَلَةٍ سَأَلْتَنِي عنها، فَلَوْ كَانَ مُمَازِجاً لِلْأَشْيَاءِ لَكَانَ لَهَا شَبِيهاً وَإِنْ كَانَ لَهَا مُبَايِناً فَهُوَ لَهَا ضِدٌّ وَإِنْ كَانَ لَا مُبَايِناً وَلَا مُمَازِجاً فَهُوَ مَجْهُولٌ وَلَكِنِّي أَقُولُ أَنَّهُ مُبَايِن لَهَا فِي جَوْهَرِهَا وَلَا أَقُولُ إِنَّهُ مُبَايِن لَهَا مُضَادَّهَا بَلْ أَقُولُ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْهَا لَا أُرِيدُ بِهَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا بَلْ أُرِيدُ أَنَّ جَوْهَرَهُ مُفَارِقاً لِجَوْهَرِهَا




