الْمقَُُدِّمَُةُ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الحَمْدَ اسْتِتْمَامًا لِنِعْمَتِهِ وَاسْتِعْصَامًا مِنْ مَعْصِيَتِهِ، لَا يَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ، وَلَا يُهْمِلُ مَنْ عَادَاهُ، وَلَا يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ، وَلَا يُحِيطُ بِنَعْمَاهُ سِوَاهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ شَهَادَةً أَدَّخِرُهَا لِيَوْمِ الحِسَابِ، وَأَنَالُ بِهَا مَغْفِرَتَهُ يَوْمَ المَآبِ، وَتَكُونُ إِذْنِي لَهَا وَاعِيَهْ، وَتَكُونُ لِي إِذَا طَغَى المَاءُ وَاقِيَهْ.
أَمَّا بَعْدُ، إِنَّهُ لَمَّا كَانَتْ سَنَةُ أَلْفٍ ثَلَاثِمِائَةٍ سَأَلَنِي أَحَدُ الإِخْوَانِ المُحِقِّينَ بَلَّغَهُ اللهُ مَرَاقِيَ التَّمْكِينِ وَأَفَاضَ عَلَيْهِ مِنْ يَنْبُوعِ المَاءِ المُعِينِ، بِأَنْ أبتدىء له بتأليف رِسَالَةً سَامِيَةً وَتَذْكِرَةً نَامِيَةً يُذَاكِرُ بِهَا إِخْوَانَهُ، أَنَارَ اللهُ بُرْهَانَهُ، فَامْتَنَعْتُ عن ذَلِكَ لِقِصَرِ فَهْمِي، وَكَلَالَةِ عَزْمِي، وَتَقْصِيرِي عَنْ بُلُوغِ دَرَجَاتِ أَهْلِ السَّبْقِ الفَائِزِينَ الَّذِينَ هُمْ فُرُوعُ العُلَا وَمَنَارُ الدِّينِ صَفْوَةُ السَّلَفِ الأَوَّلِينَ فَأَلَحَّ عَلَيَّ بِالسُّؤَالِ، وَحَسَرَ سَاعِدَ الجِدِّ لِبُلُوغِ النَّوَالِ، فمَعَ ذَلِكَ لَمْ أَرَى بَدًا مِنْ إِجَابَتِهِ خِيفَةَ منْ أَكُونَ مُخَالِفًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- حَيْثُ قَالَ: إِذَا دُعِيتَ فَأَجِبْ وَقَالَ مَوْلَانَا العَالِمُ -عَزَّ عَزُّهُ- : إِذَا سَأَلَكَ أَخُوكَ المُؤْمِنُ فِي حَاجَةٍ فَبَادِرْ إِلَى قَضَائِهَا قَبْلَ اسْتِغْنَائِهِ عَنْهَا، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ نَجَاتُكَ.
فَبَادَرْتُ إِلَى مَا طَلَبَ وَسَارَعْتُ إِلَى مَا فِيهِ رَغِبَ، وَأَجَبْتُهُ إِلَى الِابْتِدَاءِ بِتَأْلِيفِهَا، وَأَجْمَعْتُ النُّهُوضَ إِلَى تَكْلِيفِهَا إِذَا لَمْ يَسَعْنِي القَوْلُ بِالقُعُودِ عَنْ




