﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾(1)
وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ- : ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾(2)، فَبِحَيْثُ دَعَاهُمْ بِقُدْرَتِهِ مِنْ نَفْسِهِ إِلَىٰ نَفْسِهِ وَلَمْ يُجِيبُوا لطَاعَتِهِ وَبِالْجُمْلَةِ فإِنَّهُ لَا يُلَامُ مَفْقُودُ النَّظَرِ أَنْ يُشَاهِدَ قُرْصَ الشَّمْسِ وَكَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ شِعْراً:
مِثْلُ النَّهَارِ يَزِيدُ أَبْصَارَ الْوَرَىٰ | نُوراً وَيُعْمِي أَعْيُنَ الْخُفَّاشِ |
وَقَالَ اللهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾(3)
وَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾(4) أَوَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْأَزَلَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَزَلْ مَعْلُوماً لَا مَجْهُولاً مَذْكُوراً لَا مَنْسِيّاً تَرَاءَىٰ لِخَلْقِهِ كَخَلْقِهِ فِي صُورَةِ تَشَاكُلِهِمْ وَعِلَّةِ تَمَاثُلِهِمْ كُلٌّ يَرَاهُ نَظِيرَ صُورَتِهِ حَسَبَ اسْتِطَاعَتِهِ لَيْسَ إِدْرَاكُهُ بِالْأَبْصَارِ وَلَا عِلْمُهُ بِالْإِحْصَارِ بَلْ أَظْهَرَ ظُهُوراً شَامِلًا وَعَدْلًا كَامِلًا لِكَافَّةِ خَلْقِهِ وَنَاجَاهُمْ بِذَاتِهِ وَأَرَاهُمْ قُدْرَتَهُ لُطْفاً بِعَبِيدِهِ وَعَلَامَةً لِوُجُودِهِ فَأَهْلُ البسائطِ العقلية وأَصْحَابُ الْعُقُولِ الْجَوْهَرِيَّةِ رَأَوْهُ كَهَيْئَتِهِمْ بِجَوْهَرِيَّتِهِمْ وَبَسَاطَتِهِمْ وَأَهْلُ الْبَشَرِيَّةِ رَأَوْهُ فِي صُورَةٍ مُرَكَّبَةٍ بَشَرِيَّةٍ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَتَفَرَّدَ عَنْهُمْ سُبْحَانَهُ بِتَغْيِيرِ الصِّفَاتِ وَالصُّوَرِ وَإِظْهَارِ الْمَعَاجِزِ وَالْقَدَرِ، وَهُوَ الْقَدِيمُ الْأَزَلُ مُعَلِّلُ الْعِلَلِ يَظْهَرُ كَيْفَ يَشَاءُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ كَبِيرِ خَلْقِهِ وَصَغِيرِهِمْ.
كَمَا رُوِيَ عَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الصُّورَةِ الْمَرْئِيَّةِ وَكَيْفَ حُدُودُ مَا وَقَعَ عَلَيْهَا مِنْ نَظَرِ النَّاظِرِينَ؟ فَأَجَابَ أَنَّ النَّاظِرَ يَنْظُرُ إِلَىٰ تِلْكَ الصُّورَةِ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ وَبَسِيطِ جَوْهَرِهِ فَيُلْقِي نُورَ نَاظِرِهِ إِلَىٰ ذَٰلِكَ النُّورِ الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ فَيَمْنَعُهُ مِنَ الْإِدْرَاكِ فَيَرْجِعُ نُورُ النَّاظِرِ إِلَيْهِ فَلَا يَرَىٰ إِلَّا مِثْلَهُ حَسَبَ طَاقَتِهِ فَهَٰذِهِ الْعِلَّةُ الَّتِي فِيهِ هِيَ عِلَّةُ الْعَالَمِ وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا أَصْلُ الْعِلَّةِ فِي الْمَعْلُولِ.
وَسُئِلَ الْعَالَمُ -عَزَّ عَزُّهُ- : عَنِ الظَّاهِرِ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ أَهُوَهو بِكَمَالِهِ أَمْ يُدْرِكُ الْبَصَرُ بَعْضاً دُونَ بَعْضٍ وَكَيْفَ حُدُودُ مَا يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ؟ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي يَرَاهُ الْبَصَرُ غَيْرُ مَدْرُوكٍ وَقَدْ يَرَاهُ بِكَمَالِهِ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَٰكِنَّهُ حَسرَ الْبَصَرِ لِعِلَّةِ الْمِزَاجِ فَكَمَا تَعْلَمُهُ الْقُلُوبُ وَلَا تُدْرِكُهُ كَذَٰلِكَ تَرَاهُ الْأَبْصَارُ وَلَا تُدْرِكُهُ فَهَلْ تَعْلَمُ الْقُلُوبُ بَعْضَهُ أَوْ جُزْءاً مِنْهُ أَوْ تُعَايِنُهُ بِكَمَالِهِ وَلَا تُدْرِكُهُ وَإِنَّمَا يَرَاهُ الْعِبَادُ عَلَىٰ قَدْرِ عِلْمِهِمْ بِهِ وَلَمَّا كَانَ الْعِلْمُ بِاللهِ يَتَفَاضَلُ كَانَتِ الرُّؤْيَة لَهُ تَتَفَاضَلُ وَمَنْ ادَّعَىٰ أَنَّ عِلْمَهُ بِاللهِ كَعِلْمِ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْماً




