يَكُونُ شَبَحاً بَيْنِ يَدَيِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَيَكُونُ قَدْ دَخَلَ مِنْ بَابِهِ وَارْتَقَى إِلَى مَعْرِفَةِ اسْمِهِ وَحِجَابِهِ وَتَجَرَّدَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ بِذَاتِهِ وَبَلَغَ أَسْبَابَهُ وَوَصَلَ إِلَى النِّعْمَةِ الدَّائِمَةِ السَّرْمَدِيَّةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَتَّخِذَ عَنْهُ الْحَدِيثَ وَيَجِبُ أَنْ يُحَدِّثَ بِنِعْمَةِ رَبِّهِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ كَمَا قَالَ -عَزَّ وَجَلَّ- : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾(1)
وَإِنَّ اللهَ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ حَتَّى فَمَنْ أَدَّاهُ زَادَهُ اللهُ مِنْهَا وَمَنْ قَصَّرَ خَوطِر بِزَوَالِ نِعْمَتِهِ وَقَالَ مَوْلَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- : إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا وَحَدَّ لَكُمْ حُدُوداً فَلَا تَتَعَدَّوْهَا وَنَهَاكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا وَسَكَتَ لَكَم عَنْ أَشْيَاءَ وَلَمْ يَدَعْهَا نِسْيَاناً فَلَا تَتَكَلَّفُوهَا.
كَمَا قَالَ -عَزَّ وَجَلَّ- : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾(2)، بَلْ إِنَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ التَّكْلِيفَ إِتْمَاماً لِجُودِهِ عَلَى أَهْلِ مَعْرِفَتِهِ وَأَصَاراً فِي أَعْنَاقِ الْجَاحِدِينَ وَجُودَهُ لِيَجْرِيَ بِقِسْطَاسِ الْعَدْلِ وَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَلَكِنْ لِتَظْهَرَ الْأَفْعَالُ الَّتِي يَسْتَحِقُّونَ بِهَا الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ فَلِذَلِكَ جَعَلَ التَّكْلِيفَ لِلْعِبَادِ وَلَمْ يَتْرُكْهَا هَمَلًا بِغَيْرِ طَرِيقٍ وَاضِحٍ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا نَهَجَ لَهُمْ وَأَرَاهُمْ قُدْرَتَهُ وَأَعْلَامَ حِكْمَتِهِ وَآثَارَ صَنَعَتِهِ فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ وَدَلِيلًا عَلَيْهِ وَإِنَّهُ أَفْضَلُ مَا يَتَوَسَّلُ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ الْإِيمَانُ بِهِ




