وَيَخْرُجُونَ مِنْ ثَقْبٍ أَوْ فُرْجَةٍ وَرَائَهُ وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ بِرّاً فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِبِرٍّ أعَنِّي ثَقْباً أَوْ فُرْجَةً بَلْ إِنَّمَا الْبِرُّ بَرَّ مَنِ اتَّقَى الْمَحَارِمَ وَالشَّهَوَاتِ وَقَدْ أَبَانَ سُبْحَانَهُ تَعْكِيساً لِصَنَائِعِهِمْ وَتَمْثِيلًا لحال مَنْ تَرَكَ بَابَ الْبَيْتِ وَدَخَلَ مِنْ وَرَائِهِ.
فَإِذَا كَانَ أَهْلُ الظَّاهِرِ يُثْبِتُونَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَهْلِ الْبَاطِنِ مَا هُوَ أَكْشَفُ وَأَجْلَى وَأَبْيَنُ، وَهُوَ قَوْلُهُ لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تَأْتُوا مِنْ وَرَاءِ ظُهُورِهَا يَعْنِي ذَلِكَ: أَنَّ الْبَيْتَ وَالنَّفْسَ مِنْ أَسْمَاءِ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ -عَزَّ عَزُّهُ- وَلَفْظَةُ الْبُيُوتِ وَظُهُورِهَا بِالْجَمْعِ مِنْ آدَمَ إِلَى الْحَسَنِ الْآخِرِ الْعَسْكَرِيِّ وَمَعْنَى لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا أَيْ لَيْسَ مِنَ الْفِعْلِ الْجَمِيلِ أَنْ تَنْتَسِبُوا عَلَى اسْمِ اللهِ الْأَعْظَمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْعَجْزِ الَّذِي تَرَاءَى لَكُمْ بِهِ ظَاهِراً لِحَاجَتِكُمْ إِلَيْهِ وَاضْطِرَارِكُمْ لَدَيْهِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأَتَى الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا أَيْ مَنِ اتَّقَى اللهَ قَاصِداً لِبَابِهِ الْكَرِيمِ سَاجِداً لِاسْمِهِ الْعَظِيمِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ تَقِيّاً عَارِفاً مُوَحِّداً وَيَحِقُّ فِيهِ قَوْلُ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾(1) أَيْ إِلَى مَعْرِفَةِ بَابِهِ الْأَكْرَمِ لِأَنَّهُ لَا دُخُولَ للهِ إِلَّا مِنْ بَابٍ وَمن أسمائه السَبِيلَ والطريق والسور وَلِهَذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾(2)




