مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تجارة الرابحين وتذكرة الناجحين - الشيخ علي سلمان المريقب

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 102 من 149

وَنَوَادِرُهُمْ وَأَشْعَارُهُمْ وَأَخْيَارُهُمْ بَيْنَ كَافَّةِ الْمُوَحِّدِينَ مَشْهُورَةٌ وَكِتَابُ اللهِ يَتْلُونَهُ وَفِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِنَّهُ يَصْدُقُ بَعْضُهُ بَعْضاً وَإِنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً.

وَقَالَ ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾(1)، وَلَوْ طَفِقْنَا فِي كَيْفِيَّةِ قَوْلِهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَأَخْبَارِ أَئِمَّتِهِ الطَّاهِرِينَ وَرِجَالِهِ الْمُوَحِّدِينَ لَطَالَ الْخِطَابُ وَاتَّسَعَ الْكِتَابُ وَلَكِنْ رَأَيْنَا الِاخْتِصَارَ أَلْيَقَ وَأَوْجَبَ وَنَسْأَلُ اللهَ الْخَلَاصَ مِنْ اخْتِلَافِ الْمَقَالَةِ وَمِنَ الْوُلُوجِ فِي طَرِيقِ أَهْلِ الْضَّلَالِة فَأَمَّا مَنْ يَحُلُّ رُوحَ السَّيِّدِ الْمِيمِ مِنْ ذَاتِ الْقَدِيمِ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَرَاهَا وَيُعَايِنُهَا فَهَذَا بخِلَافُ لَمَا جَاءَ بِهِ الْمُوَحِّدُونَ وَسَائِرُ أَهْلِ التَّقْى وَالدِّينِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ هَذَا الْمِسْكِينُ إنَّ هَذِهِ الْحَوَاسَّ الْعَاجِزَةَ الْمَوْجُودَةَ فِي هَذَا الْجِسْمِ الْكَثِيفِ مِثْلَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَتَمَامَ مَاهِيَّةِ الْحَوَاسِّ الْقَائِمَةِ بِالْجَسَدِ لَا تَحُسُّ وَلَا تَنْظُرُ وَلَا تُدْرِكُ شَيْئاً مِنَ الْبَسَائِطِ الْعَقْلِيَّةِ وَاللَّطَائِفِ الْجَوْهَرِيَّةِ إِلَّا عَلَى قَدْرِ الْقَوَابِلِ وَالِاسْتِعْدَادِ حَتَّى رُوحُ الْإِنْسَانِ الْعَاجِزُ الْبَشَرِيُّ لَا تعاينها فِي هَيْكَلِهَا الْمَوْجُودَةِ بِهِ وَكَذَلِكَ إِذَا فَارَقَتْهُ فَلَا تَراها وَلَا تُعَايِنُها لِلَطَافَتِهَا وَتَجَرُّدِهَا عَنِ الْهَيْكَلِ الظِّلْمِيِّ الَّذِي هِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهِ هَذِهِ الْحَوَاسُّ العاجزة فَلَا يُمْكِنُه حَصْرُهَا وَلَا ضَبْطُهَا وَلَا يُعَايِنُهَا وَلَا يَرَاهَا فِي حُلُولِهَا بِهَيْكَلِهَا لَا بخْرُوجِهَا مِنْهُ.

فَكَيْفَ يسْعِهِ أَنْ يَقُولَ أَنَّهُ يَرَى الْكَلِمَةَ الْإِلَهِيَّةَ الَّتِي هِيَ نَفْسُ الْحِجَابِ الْأَعْلَى الَّذِي هُوَ الْعَقْلُ الْكُلِّيُّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ وُقُوفَ الْعَارِفِ وَيَكُونُ لِهَوَاهُ مُخَالِفاً وَلَا يَقِيسُ قِيَاسَ الْمُتَعَسِّفِ وَلَا يَمِيلُ بِرَأْيِهِ إِلَى مَذْهَبِهِ كَالْمُتَكَلِّفِ فَإِنْ قَالَ لَنَا: كَيْفَ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَرَوْنَ ذَاتَ اللهِ الْقُدْسِيَّةَ الَّتِي هِيَ أَسْنَى وَأَعْلَى من حِجَابِهِ قديمه ومحدثه.

قُلْنَا لَهُ نَحْمَدُهُ طَوِيلًا وَنَشْكُرُهُ كَثِيراً أَنْ لايَحْرِمَنَا الرُّؤْيَةَ إِلَى وُجُودِ ذَاتِهِ وَمُشَاهَدَةِ جَلَالِ جَبَرُوتِهِ وَلَا يَحْجُبُنَا عَنْ مُشَاهَدَةِ اسْمِهِ وَلَا يَمْنَعُنَا عَنْ رُؤْيَةِ بَابِهِ كُلٌّ نَرَاهُ بِصِفَتِهِ الْمَعْينِةِ الَّتِي هِيَ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً فِي هَذِهِ الرُّتَبِ الثَّلَاثِ لَيْسَ يُمَازِجُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بَلْ كُلٌّ قَائِمٌ بِذَاتِهِ مَعْرُوفٌ بِصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ كَمَا قَالَ السَّيِّدُ أَبِي عَبْدِ اللهِ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- شِعْراً:

مَعْنًى وَاسْمٌ وَبَابٌ

هُمُ الْهُدَى وَالصَّوَابُ

وَقَالَ -قَدَّسَهُ اللَّهُ-

الْعَيْنُ لِلْمِيمِ رَبٌّ

وَالْمِيمُ لِلسِّينِ حَسْبُ

أَوْ لَمْ يَعْلَمْ قَائِلُ هَذَا الْمَقَالِ أَنَّ الْمَعْنَى سُبْحَانَهُ جُزْءٌ أَصَمُّ لَا يَتَجَزَّأُ وَلَا يَتَبَعَّضُ وَلَيْسَ هُوَ نَوْعَيْنِ نَوْعٌ ظَاهِرٌ وَنَوْعٌ بَاطِنٌ بَلْ هُوَ نَوْعٌ وَاحِدٌ وَالِاسْمُ الْأَعْظَمُ نَوْعَانِ وَصِفَتَانِ قَدِيمٌ وَمُحْدَثٌ مِثْلَ عَلَى الرُّوحِ وَالْجَسَدِ وَلَوْ أَنَّهُ نَوْعٌ وَاحِدٌ لَسَاوَى مَعْنَاهُ وَكَانَا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ وَلَوْ كَانَا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ لَفَسَدَ الْمُلْكُ وَبَطَلَتِ الْحِكْمَةُ وَإِنَّ الْبَارِي سُبْحَانَهُ لَوْ لَمْ يُرِنَا ذَاتَهُ بِهَيْئَتِهِ كَأَمْثَالِنَا وَأَشْبَاهِنَا وَعِلَّتِنَا لَعَجَزْنَا عَنِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ وَلَمَا كَانَتْ تَتَمَيَّزُ عِبَادَتُنَا ثواباً وَلَا يَحْدُثُ تَقْصِيرُنَا عِقَاباً بَلْ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَظْهَرَ وُجُودَ ذَاتِهِ لِسَائِرِ الْبَرِيَّةِ فِي السَّمَاءِ الْمَبْنِيَّةِ وَالْأَرْضِ الْمَدْحِيَّةِ وَأَظْهَرَ اسْمَهُ وَبَابَهُ مَعَ وُجُودِ ذَاتِهِ فِي سَائِرِ ظُهُورَاتِهِ وَنَحْنُ بِحَوْلِهِ تَعَالَى عَلَى يَقِينٍ وَعَلَى غَيْرِ شُبْهَةٍ مِنَ الدِّينِ وَلِدَاعِي الْحَقِّ من المُحبِينَ كَمَا أَدَّبَنَا أَسْلَافُنَا الْأَقْدَمُونَ وَشُيُوخُنَا الْمُحِقُّينَ الَّذِينَ عنهم رَوَيْنَا وَبِرَأْيِهِمُ اقْتَدَيْنَا وَبِتَوْفِيقِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- اهْتَدَيْنَا وإنَّنَا مُتَّبِعُونَ لَا مُبْتَدِعُونَ وَمُلْحِقُوا الْكَلَامِ بِالْقَرِينِ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، وَأَخْتِمُ هَذَا الْبَابَ بِهَذَا الدُّعَاءِ.

الهوامش

1سورة الإنعام – الآية 35
الصفحة 102 من 149