تُخَالِفْ، فَمَا هَاهُنَا شَيْءٌ تَخَافُهُ وَلَا تَحْذَرُهُ، فَتَذَكَّرْتُ قَوْلَ أَبِي وَمَا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ مُشَاوَرَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَالْعَمَلِ بِمَا يَرْسُمُهُ لِي، وَكَانَ جَارِي وَبِجَانِبِ حَانُوتِي، فَقُمْتُ إِلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي، جَاءَنِي خَادِمٌ جَلِيلٌ، فَكَنَّانِي وَسَمَّانِي وَقَالَ: أَجِبْ مَوْلَايَ، فَوَثَبَ الرَّجُلُ مِنْ حَانُوتِهِ إِلَيْهِ، وَلَمَّا رَآهُ قَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ، اطْرَحْ عَلَيْكَ ثَوْبَك وَأَسْرِعْ مَعَهُ، وَلَا تُخَالِفْ مَا تُؤْمَرُ بِهِ، وَلَا تُرَاجِعْ فِيهِ، وَاقْبَلْ كُلَّ مَا يُقَالُ لَكَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذَا مِنْ خَدَمِ السُّلْطَانِ أَوْ وَزِيرٍ أَوْ أَمِيرٍ، وَقُلْتُ لِلرَّجُلِ: أَنَا شَعِثُ الشَّعْرِ، وَمَتَاعِي مُخْتَلِطٌ، وَلَا أَدْرِي مَا يُرَادُ مِنِّي، فَقَالَ لِي: اسْكُتْ يَا بُنَيَّ وَامْضِ مَعَ الْخَادِمِ، وَكُلُّ مَا يُقَالُ لَكَ فَقُلْ: نَعَمْ، فَمَضَيْتُ مَعَ الْخَادِمِ وَأَنَا خَائِفٌ وَجِلٌ، حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى بَابٍ عَظِيمٍ، وَدَخَلَ بِي مِنْ دِهْلِيزٍ إِلَى دِهْلِيزٍ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ، فَخُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّهَا الْجَنَّةُ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى شَخْصٍ جَالِسٍ عَلَى بِسَاطٍ أَخْضَرَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ، انْتَفَضْتُ وَدَاخَلَتْنِي هَيْبَةٌ وَرَهْبَةٌ، وَالْخَادِمُ يَقُولُ لِي: أُدْنُ، حَتَّى اقْتَرَبْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ بِالْجُلُوسِ، فَجَلَسْتُ وَمَا أَكَادُ أَمْلِكُ عَقْلِي فَأَمْهَلَنِي حَتَّى سَكَنْتُ بَعْضَ السُّكُونِ، ثُمَّ قَالَ لِي -عَزَّ عَزُّهُ- : احْمِلْ إِلَيْنَا رَحِمَكَ اللهُ مِحْبَرَتَيْنِ فِي مَتَاعِكَ؟ وَلَمْ أَكُنْ وَالله عَلِمْتُ(1) أَنَّ مَعِي حِبْرًا، وَلَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ وَكَرِهْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُ: لَيْسَ مَعِي
1فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: أَعْلَمُ




