وَلَهُ عِنْدِي إِلَى يَوْمِ أَمْسِ يَوْمِنَا هَذَا حَوْلٌ كَامِلٌ لَمْ يُفْصِحْ بِكَلِمَةٍ، وَلَا تَغَيَّرَ طَبْعُهُ الكَرِيمُ، وَقَدْ دَخَلْتُ عَلَى مَوْلَايَ جَعْفَرٍ -عَزَّ عَزُّهُ- بِالْأَمْسِ، وَلَمَّا مَثُلْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لِي -عَزَّ عَزُّهُ- مُبْتَدِئًا: حَسُنَ صَلَاحُكَ، وَتَمَّ فَلَاحُكَ، وَقَرُبَ نَجَاحُكَ يَا بْنَ أَعْيَنَ.. أُوصِيكَ بِعَبْدِنَا خَيْراً، ضَعُفَ عَمَّا نُرِيدُ مِنْهُ، وَوَفَّى بِمَا طَالَبْنَاهُ، وَلَتَكُونَنَّ وَكَأَنَّكَ بِهِ، مَا دَامَ سَائِلاً فَلَا تَنْهَرْ، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾(1)، قَالَ حُمْرَانُ: فَلَمْ أَعْرِفِ المَذْكُورَ، فَقُلْتُ: وَمَنْ هَذَا الْعَبْدُ، جُعِلْتُ فِدَاكَ؟ فَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : تَائِهٌ اهْتَدَى، وَضَالٌّ فَأَصَابَ مَأْوَى، فَأَفَاقَ مِنْ سَكْرَتِهِ لَمَّا اتَّصَلَ بِمُنْفَصِلِهِ، ذَهَبَتْ نَارُ قَلْبِهِ، وَلَقَدْ أَخَذَتِ الْعُقُوبَةُ مِنْهُ بَعْضَ(2) مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَلَوْ عَلِمْتَ أَمْرَهُ لَرَحِمْتَهُ كَثِيرًا مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ عِنْدَمَا طَالَ تِكْرَارُهُ وَبَعُدَتْ أَسْفَارُهُ، إِلَّا وَقَدْ اِسْتَيْقَظَ(3) مِنْ نَوْمِهِ، وَعَقَلَ مَا جَهِلَهُ، وَقَبِلَ مَا صُرِفَ فِيهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ فِي سِجْنِهِ إِلَّا قَلِيلاً، قَالَ حُمْرَانُ: فَلَمْ أَعْرِفْ إِلَى مَنْ أَوْمَأَ، فَقُلْتُ: زِدْنِي بِهِ عِلْماً يَا مَوْلَايَ فَقَالَ: هُوَ غَنِيٌّ افْتَقَرَ، وَعَزِيزٌ ذَلَّ بِتَقْصِيرِهِ فِينَا زَمَاناً، لَمْ يَزَلْ مُرْتَهَناً بِذُنُوبِهِ مُوَثَّقاً بِعُيُوبِهِ، إِلَى أَنْ قَامَ بِظَاهِرِهِ، وَعَمِلَ بِبَاطِنِهِ، وَقَمَعَ لَذَّتَهُ، وَغَلَبَ شَهْوَتَهُ وَجَاهَدَ نَفْسَهُ، وَأَنْفَقَ كَثِيفَهُ فِي لَطِيفِهِ، فَأَصَابَ بِذَلِكَ رِزْقاً، وَأَنَابَ صِدْقاً، فَهَا هُوَ مُسْتَقْبِلٌ لِقُرْبٍ، مُتَبَرِّئٌ مِنْ عُجْبٍ، مُتَّصِلٌ
1سُورَةُ الضُّحَى - الآيَةُ رَقْمُ 11
2لَا تُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ كَلِمَةُ بَعْضَ
3فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: تَيَقَّظَ




