الْغُمْضَ رَحْمَةً لَهُ وَإِشْفَاقًا عَلَيْهِ إِلَى أَنِ انْصَرَمَ(1) اللَّيْلُ إِلَّا أَقَلَّهُ فَهَمَمْتُ بِالِانْحِدَارِ عَنْ سَطْحِ دَارِي، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ فَاتَ فَوَحَقِّ مَنْ أَقَرَّ الْعَقْلُ لَهُ وَعَلَيْهِ مَا فَرَغْتُ مِنْ مَحْضِ مَا بِقَلْبِي حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا الْخَطَّابِ -مِنْهُ السَّلَامُ- قَدِ اسْتَوَى جَالِسًا وَهُوَ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِفَاضِلِ قَمِيصٍ كَانَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾(2) فَأَوْمَأَ إِلَى نَحْوِ أَصْحَابِهِ فَاسْتَوَوْا مِنْ حَوْلِهِ كَالْبُدُورِ الطَّالِعَةِ فَأَنْشَأَ(3) وَجَعَلَ يَقُولُ شِعْرًا:
قُومُوا بَنِ الحَقِّ إِلَى حَقِّكُمْ | فَالصُّبْحُ فِي الإِصْبَاحِ مَوْرُودٌ | |
قُومُوا إِلَى الحَقِّ لِيُحْيِيكُمْ | وَالقَصْدُ فِي السَّاعَةِ مَقْصُودٌ | |
عُودُوا إِلَى نَاسُوتِكُمْ سُرَّعًا | فَاللُّطْفُ بِالأَلْطَافِ مَرْدُودٌ |
قَالَتْ: وَحَقِّ اللَّه، مَا فَرَغَ مِنْ شِعْرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ البَرَّ قَدِ انْقَشَعَ وَانْشَقَّ الفَضَاءُ عَنْ هَجِينٍ مِنْ نُورٍ، فَوْقَهُ رُكْبَانٌ يَتَلَأْلَؤُونَ(4) كَالْأَنْوَارِ، فِي أَوَائِلِهِمْ شَابٌّ رَاكِبٌ عَلَى قُرْصِ الشَّمْسِ، وَهُوَ يُنْشِدُ وَيَقُولُ هَذِهِ الأَبْيَاتِ:
لَبَّيْكَ يَا حَقُّ إِلَى حَقِّهِ | يَرْغَبُ عَبْدٌ فِيهِ إِلَى تَوْحِيدُ |




