دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَقَدْ أَنْهَكَتْهُ الْعِبَادَةُ وَفِي إِصْبَعِهِ نَعْلٌ قَدْ عَلَّقَهَا فِي يَدِهِ، فَسَلَّمَ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ السَّلَامَ، وَأَعْجَبَنِي وَاللَّه سِمَتُهُ وَنَظَافَتُهُ، وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذَا وَاللَّه رَجُلٌ صَالِحٌ قَدِ انْقَطَعَ فِي سَفَرِهِ، وَإِذْ بِهِ يَقُولُ: أَفِيكُمْ رَجُلٌ يُضِيفُنِي لَيْلَتِي هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا يَا عَبْدَ اللَّه أُضِيفُكَ وَأُحْسِنُ إِلَيْكَ، هَيَّا بِنَا إِلَى مَنْزِلِي، (وَسِرْنَا إِلَى)(1) الْمَنْزِلِ، وَدَعَوْتُ بِالطَّعَامِ، فَقَدَّمَتِ الْجَارِيَةُ الْمَائِدَةَ وَعَلَيْهَا قِصْعَةٌ(2) فِيهَا ثَرِيدٌ وَلَحْمٌ، وَكُنْتُ جَائِعًا، فَأَكَلْتُ أَكْلًا كَثِيرًا، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مَعِي، وَلَمَّا اسْتَوْفَيْتُ قُلْتُ لِلْجَارِيَةِ: ارْفَعِي، فَرَفَعَتِ الْمَائِدَةَ، فَإِذَا بِالثرِيدِ وَاللَّحْمِ كَهَيْئَتِهِ لَمْ يُمَسَّ مِنْهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، فَقَالَتْ: مَا شَأْنُكُمَا لَمْ تَمَسَّاهُ؟ فَقُلْتُ: وَيْحَكِ، إِنَّا أَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّه، مَا مُسَّ مِنْهُ شَيْءٌ، قُلْتُ: اجْلِبِي الْمَائِدَةَ، قَالَتْ: هَذِهِ الْمَائِدَةُ، فَقُمْتُ وَنَظَرْتُ، فَإِذَا الطَّعَامُ بِحَالِهِ كَحِينِ وُضِعَ إِلَيْنَا، فَوَاللَّه لَقَدْ بَقِيتُ مُتَعَجِّبًا، ثُمَّ جَبُنْتُ وَرُعِبْتُ رُعْبًا شَدِيدًا وَقُلْتُ: "سَاحِرًا"، وَارْتَمَيْتُ عَلَى الْأَرْضِ فَزَعًا مِنْهُ، وَبَقِيَتِ الْجَارِيَةُ مَبْهُوتَةً، فَعَرَفَ مَا بِنَا، فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ﴾(3)؟ فَلَمَّا سَمِعْتُ الْقُرْآنَ سَكَنْتُ وَقُلْتُ: مَا مَعَ قِرَاءَةِ(4) الْقُرْآنِ إِلَّا الْخَيْرُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي
1فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: وَصِرْنَا فِي
2فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: قِطْعَةٌ
3سُورَةُ الصَّافَّاتِ - الآيَتَيْنِ رَقْمُ 91 وَ92
4لَا تُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ كَلِمَةُ قِرَاءَةِ




