الْقَادِرُ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ قَادِراً عالِماً ذَاتَ الْقُدْرَةِ كَمَا اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ حَيَّاً فَاقِداً ذَاتَ الْحَيَاةِ، فَوَاللهِ لَوْلَا خَوْفُ الْإِطَالَةِ لَذَكَرْتُ الْقُدْرَةَ الْبَادِيَةَ مِنَ الْحِجَابِ وَالْبَابِ وَسَائِرِ أَصْحَابِ الْمَرَاتِبِ، فَأَمَّا الْقُدْرَةُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْ سَائِرِ النُّفُوسِ وَجَوَاهِرِهَا فَإِنَّهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى اخْتِرَاعِ الصَّنَائِعِ الْمُعْجَمَةِ وَاسْتِخْرَاجِ الْعُلُومِ الْمُبْهِرَةِ، وَإِظْهَارِ الْأَفْعَالِ الْمُعْوِزَةِ، وَيَأْتُونَ ذَلِكَ بِلَطِيفِ رَأْيِهِمْ وَصَحِيحِ قَرِيحَتِهِمْ، وَيُظْهِرُونَ مَا يَعْجَزُ عَنْ مِثْلِهِ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ فِي الْمَنْزِلَةِ، فَأَمَّا الْقُدْرَةُ الْخَالِقَةُ فَلَيْسَتْ مُرَكَّبَةً فِي طَبَائِعِ النُّفُوسِ وَلَا هِيَ مَوْهُوبَةً وَلَا مُسْتَعَارَةً لِأَنَّهَا أَبْدَعَتْ مَا لَمْ يَكُنْ وَقَدْ قَالَ اللهُ ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾(1)، وَقَالَ ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾(2)، فَأَوْجَبَ أَنَّ الْخَالِقَ وَاحِدٌ لَا سِوَاهُ وَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْفَضْلِ مِنَ الْمُوَحِّدَةِ عَلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ لَا تُوهَبُ وَلَا تُعَارُ، وَكَمَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ مَخْلُوقًا كَذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْقَاهِرُ مَقْهُورًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾(3)، وَإِذَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ضِدٌّ أَوْ مُسَاوٍ لَهُ فِي مُلْكِهِ فَيَكُونُ اللهُ قَاهِرًا، وَقَدْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَهْرُ الْأَبْصَارِ
1سورة الزمر - الاية 62
2سورة فاطر - الاية 3
3سورة الانعام - الاية 18




