فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَاعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ وَقَالَ: هَذَا الْخِطَابُ الْكَافِي بَيِّنٌ لِسَائِرِ أَهْلِ الْفَضْلِ فَهُوَ خِطَابٌ لِنَبِيِّهِ وَرَسُولِهِ وَقَدْ كَانَ نَبِيُّهُ يَرَاهُ دُونَنَا، فَإِنَّا نَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ بَلْ هُوَ خِطَابٌ الْمُنَبَّأِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بِلَا خِلَافٍ وَإِنَّ عَالِمَ الْمَلَكُوتِ يَرَوْنَ الْمَعْنَى الْقَدِيمَ الْإِلَهَ الْعَلِيَّ الْأَعْلَى بِحَسَبِ مَنَازِلِهِمُ النُّورَانِيَّةِ وَاسْتِطَاعَتِهِمُ الْجَوْهَرِيَّةِ بِتَمْكِينِهِ لَهُمْ وَذَلِكَ بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الْفَائِضَةِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَيْضِ الْإِلَهِيِّ وَالسِّرِّ الْمَعْنَوِيِّ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُمْ وَحَيْثُ شَاكَلَتُهُمْ وَهُوَ أَجَلُّ وَأَعْلَى مِنْ حَيْثُ هُوَ حَقًّا عَلِيٌّ رَبٌّ يَشْمَلُ بِعَدْلِهِ وَظُهُورِهِ الْعَالَمَ النُّورَانِيَّ وَبِعَدْلِهِ وَبِلُطْفِهِ بِظُهُورِهِ لِلْعَالَمِ الْجُسْمَانِيِّ.
وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا يَتَأَوَّلُهُ الْمُعْتَرِضُ لَمَا كَانَ الْقُرْآنُ وَصَلَ إِلَيْنَا وَلَا مَسَّتْ تِلَاوَتُهُ أَلْسِنَتَنَا وَأَيْدِيَنَا وَلَكَانَ الْقُرْآنُ فِي أَيْدِي الْمُشَاهِدِ لَهُ مَحْجُوبًا عَمَّنْ لَمْ يَرَ خَالِقَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِوُصُولِهِ إِلَيْنَا فَائِدَةٌ وَلَا ثَمَرَتُهُ إِلَيْنَا عَائِدَةٌ، وَالْقُرْآنُ السَّيِّدُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ وَالْحِجَابُ الْأَكْرَمُ وَآيَاتُهُ وَظُهُورَاتُهُ فِي كُلِّ كَوْرٍ وَدَوْرٍ وَقُبَّةٍ وَمِلَّةٍ وَوَقْتٍ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾(1) فَهَذَا النَّصُّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ حَاضِرٌ مَوْجُودٌ لَا هُوَ غَائِبٌ مَفْقُودٌ يُحَاسِبُ عَبْدَهُ وَيُوَفِّيهِ حِسَابَهُ.




