الرَّبَّانِيَّةِ وَالْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ، قَدْ صَرَفُوا هِمَمَهُمْ لِلْمَنَاكِحِ وَالْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَاشْتَغَلُوا عَنْ ذِكْرِ رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، فَلَيْسَ لَهُمْ صَلَوَاتُ الْقَانِتِينَ، وَلَا دُعَاءُ السَّائِحِينَ، وَلَا زَكَاةُ الْعَارِفِينَ، وَلَا صِيَامُ الْمُخْلِصِينَ، وَلَا جِهَادُ الْخَائِفِينَ، وَلَا حَجُّ الْمُعْتَمِرِينَ، وَلَا أَعْمَالُ الْمُتَوَسِّمِينَ، وَكُلٌّ قَدْ مَالَ إِلَى هَوَاهُ وَقَنِعَ بِمَا أَتَاهُ، لَمْ يَفْقَهُوا فِي الدِّينِ، وَلَمْ يَسْلُكُوا سَبِيلَ الْمُرْسَلِينَ وَالْحُكَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ، يَتَكَلَّمُونَ بِالْعِلْمِ عَلَى رَأْيِهِمْ وَيَقِيسُونَ بِأَهْوَائِهِمْ، يَقُولُونَ مَا لَا يَعْلَمُونَ وَيُظْهِرُونَ مَا لَا يُضْمِرُونَ، وَيَنْتَحِلُونَ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ إِفْكَهُمْ بِمَا يَخْرُصُونَ، وَاعْلَمْ أَيُّهَا الْوَلَدُ الْعَزِيزُ أَنَّ مِنْهُمْ قَوْمًا يُنَزِلُونَ الْخَصِيبِيَّ أَنَّهُ بَابُ الرَّحْمَةِ وَيَنْبُوعُ الْحِكْمَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنَزِلُونَهُ أَنَّهُ اسْمُ اللهِ الْأَعْظَمُ وَحِجَابُهُ الْأَكْرَمُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الشَّمْسَ مَعْنَى الْمَعَانِي وَرَبُّ الْمَثَانِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الَّذِي أَظْهَرَ الْقُدْرَةَ وَأَتَى بِالْمَعَاجِزِ وَالْقَدَرِ، وَدَعَا مِنْ نَفْسِهِ إِلَى نَفْسِهِ وَدَلَّ عَلَى ذَاتِهِ بِذَاتِهِ أَنَّهُ الْمِقْدَادُ وَأَنَّهُ غَايَةُ الْعِبَادِ وَنِهَايَةُ الِاقْتِصَادِ، فَهَؤُلَاءِ قَدِ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ هُزُوًا وَأَعْمَالَهُمْ رِيَاءً، يَتَأَكَّلُونَ بِالدِّينِ وَيَتَسَمَّوْنَ مُؤْمِنِينَ وَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ، وَعَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ، فَمَنْ رَأَيْتَهُ يَعْتَقِدُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ فَسَبِيلُكَ يَا بُنَيَّ أَنْ تَتَجَنَّبَ عِشْرَتَهُ وَمُؤَانَسَتَهُ وَمُذَاكَرَتَهُ وَتُوقِفَ صُحْبَتَهُ، لِئَلَّا تَقَعَ فِي الْمِحْنَةِ وَتَرْجِعَ إِلَى الْفِتْنَةِ، وَلَوْلَا خَوْفُ الْإِطَالَةِ لَبَرَهَنْتُ




