مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

التجريد - الشيخ حاتم الجديلي الطوباني

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 82 من 1061

الْهَائِلَةِ الْمُتَقَبِّلَةِ قُرْبَانَ هَابِيلَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَهُوَ يَوْمٌ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ فَخْرًا لَمَّا ظَهَرَ الْمَوْلَى فِيهِ بِالْغَايَةِ، وَقَمَعَ الضِّدَّ وَأحْرَقَهُ وَمِنْ جِوَارِ الإِيمَانِ أَخْرَجَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ فِي الْقُبَّةِ النُّوحِيَّةِ بِسَفِينَةِ النّجَاةِ وَعَيْنِ الْحَيَاةِ، وَكَانَ شَخْصُهُ الْمَاءَ الْفَائِرَ مِنَ التَّنُّورِ، الَّذِي بِهِ أَغْرَقَ الأَضْدَادَ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُمْ فِي الْقُبَّةِ الإِبْرَاهِيمِيَّةِ بِالنَّارِ الَّتِي جَعَلَهَا بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ فِي الْقُبَّةِ الْمُوسَوِيَّةِ حِينَ آنَسَهُ بِشَخْصِ النَّارِ ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾(1) فَلَمْ تَزَلْ مَادَّةُ الظُّهُورِ جَارِيَةً بِالْفُرْسِ فِي النَّارِ الْمُتَقَبِّلَةِ الْقَرَابِينَ إِلَى حِينِ ظُهورِهِ فِي الْقُبَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَلَمَّا غَابَ وَعَدَهُمْ بِالنَّارِ الْهَائِلَةِ الْمُحْرِقَةِ، وَهِي الَّتِي وَعَدَ اللهِ بِهَا الْخَلْقَ كَافَّةً وَقَدْ كَانَ لابن سَبَأَ فِي النَّارِ جُنَّةٌ، هَذهِ يَا ابْنَ جُنْدُبٍ ظُهُورَاتُهُ فِي الْكَرَّاتِ وَالرَّجْعَاتِ الأَبَدِيَّةِ وَحُجَّتُهُ الْقَائِمَةُ الْعَقْلِيَّةُ الْعُلْوِيَّةُ، وَهِيَ قَائِمَةٌ بِصِفَةِ الأَنْزَعِيَّةِ وَهِيَ مَعْرِفَةُ اللهِ الَّتِي آنَسَ بِهَا الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا رَآهُ الْعَالَمُ الْعُلْوِيُّ وَعَلَيْهِ تَاجٌ مِنْ نُورٍ مُتَجَلِّياً بِصُورَتِهِ الأَنْزَعِيَّةِ مُحْتَجِباً بِجَلَالِ الْجَبَرُوتِ كَبَّرَتْهُ الْمَلَائِكَةُ مُسَبِّحِينَ بِحَمْدِهِ، مُقَدِّسِينَ لَهُ وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ كَبَّرَ الْحِجَابُ ثُمَّ الْبَابُ ثُمَّ الأَيْتَامُ ثُمَّ النُّقَبَاءُ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ نَقَبَ عِلْمَ الْبَاطِنِ الَّذِي هُوَ سِرُّ الظُّهُورِ، ثُمَّ النَّجِيبُ الَّذِي أَنْجَبَ مُسَارِعًا وَلَبَّى دَاعِيًا، وَكَبَّرَ ذَاكِرًا، ثُمَّ الْمُخَتَّصُ الْمَخْصُوصُ بِرَحْمَةِ مَوْلَاهُ، ثُمَّ الْمُخْلَصُونَ وَالْمُمْتَحَنُونَ، ثُمَّ لَمَّا خَلَقَ الْعَالَمَ الصَّغِيرَ، وَظَهَرَ لَهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِالْخَمِيسِ الأَكْبَرِ، وَهُمْ لَهُ عَابِدُونَ وَسَاجِدُونَ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَحَّدَهُ بِصفة صُورَتِهِ الأَنْزَعِيَّةِ وَشَاهَدَهُ بِجَلَالَتِهِ النُّورَانِيَّةِ الْمُقَرَّبُ لِلَّهِ بِالْمَعْرِفَةِ وَبِالدَّعْوَةِ، وَمِنْ بَعْدِهِ الْكَرُّوبِيُّ الَّذِي رُفَعَ عَنْهُ كَرْبُ النَّجَاسَةِ، وَبَعْدَهُ الرُّوحَانِيُّ الَّذِي رُوِّحَ بِرُوحَانِيَّةِ الْقُدُسِ فَاتَّصَلَ عَارِفًا وَبِهَا أَقَرَّ شَاهِدًا، وَمِنْ بَعْدِهِ الْمُقَدَّسُ بِالتَّقْدِيسِ الَّذِي لَمَّا عَرَفَهُ قَدَّسَهُ، فَقَدَّسَتْهُ الْمَعْرِفَةُ فأوْصَلَتْهُ بِالْحَقِيقَةِ، وَمِنْ بَعْدِهِ السَّائِحُ الَّذِي سَاحَ فِي الْمَلَكُوتِ، وَمِنْ بَعْدِهِ الْمُسْتَمِعُ الَّذِي لمَّا سَمِعَ دَعْوَةَ رَبِّهِ لَبَّاهُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَنَاجَاهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَمِنْ بَعْدِهِ اللَّاحِقُ الَّذِي لَمَّا رَآهُ حَقَّقَ الْوُجُودَ شَاهِدًا وَأَثْبَتَ الظُّهُورَاتِ كَامِلًا فَلَحِقَ بِنُورَانِيَّةِ اللَّاهُوتِ مُتَّصِلًا طَائِعًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ ظَاهِرًا فِي سَمَٰوَاتِهِ بِصُورَةِ الأَنْزَعِيَّةِ الَّتِي لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَضْمَحِلُّ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا يَكُونُ وَمَا يَحْدُثُ إِلَى حِينٍ، ثُمَّ أَظْهَرَ مَوْلَايَ الظُّهُورَ الْبَشَرِيَّ وَأَظْهَرَ الْقِبَابَ وَشَرَّعَ الشَّرَائِعَ، وَأَوْجَدَ الْمُلْكَ وَالأَدْيَانَ الْمُخْتَلِفَةَ، وَكُلُّ ذَلِكَ لِلْعِلَّةِ الَّتِي تَبْدُو مِنَ الْعَالَمِ، فَافْهَمْ ذَلِكَ يَا بْنَ جُنْدُبٍ وَاحْرِصْ عَلَيْهِ وَعَلَى مَعْرِفَتِهِ، وَاطْلُبْ حَقِيقَةَ الْحَقِّ فَقَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، وَاجْعَلْ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيهِ اجْتِمَاعًا، وَلْيُظْهِرُوا لِرُؤْيَتِهِ الأَفْرَاحَ وَيَتَصَدَّقُوا وَيَتَوَاهَبُوا، وَلْيَقْرَؤُوا الْعُلُومَ الْبَاطِنَةَ وَالظَّاهِرَةَ، وَلْيَتَّخِذُوا مِنَ الْمَاءِ مَا يَرُشُّونَهُ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ وَلْيُطَهِّرُوا قُلُوبَهُمْ، وَلْيَكْتُمُوا دِينَهُمْ وَلَا يُذِيعُوا سِرَّ ذَلِكَ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الَّذِينَ حُرِّمَ عَلَيْهِ التَّوْحِيدُ، وَلْيَكُنِ الْمَاءُ مِنَ السَّمَاءِ فَهُوَ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ شِفَاءً، فإنْ كَانَ مِنْ مَاءِ ذَلكَ الشَّهْرِ يَدَّخِرُوهُ لِذلكَ الوَقْتِ وَلِيَرُشُّوهُ عَلَيْهِمْ فإنْ عُدِمَ ذَلِكَ فَمِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ، فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ فَمِنْ مَاءِ الأُرْدُنِ، وَمِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ، فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ فِيكُونُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ فَمِنْ أَيِّ مَاءٍ حَضَر، وَاسْتَسْقُوا يَسْقِيكُمُ اللهِ مِنْ كَفِّ سَلْسَلَ رَحِيقًا مَخْتُومًا وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ، فَإِذَا اجْتَمَعْتُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَلَا يَأْمُرْ كَبِيرُكُمْ صَغِيرَكُمْ وَلَا صَغِيرُكُمْ كَبِيرَكُمْ وَلَا تَسْتَخْدِمُوا فِيهِ أَحَدًا مِنَ الأَضْدَادِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَقْرَبَ إِلَى اللهِ، فَإِذَا حَضَرَ الْمَاءُ الَّذِي وَصَفْتُهُ عَلَى وَجْهِهِ فَاجْعَلُوهُ فِي إِنَاءٍ صَافٍ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ إِلَى حِينِ تِلاوَةِ الْخَبَرِ وَالدُّعَاءِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ وَاسْتَعْمِلُوا عَبْدَ النُّورِ الَّذِي هُوَ شَخْصُ هَذِهِ النَّارِ الَّتِي جَعَلَهَا اللهِ قُرْبَانَهُ الأَعْظَمَ وَشَخْصَهُ الْمُكَرَّمَ، فَإِذَا فَرَغْتُمْ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ رُشُّوا الْمَاءَ عَلَى وُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ، وَإِنْ كَانَ لَكُمْ مُوجِعٌ مُتَخَلِّفٌ عَنْكُمْ فَاسْقُوهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُبْرِئُهُ لِأَنَّ اللهُ حَكَمَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَغْفِرَةِ فِيهِ، وَإِذَا نَظَرْتُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ إِلَى عَيْنِ الشَّمْسِ فَتَوَسَّلُوا إِلَى اللهِ بِهَذَا الدُّعَاءِ: سُبْحَانَ الأَزَلِ اللَّاهُوتِ مُبْدِي

الهوامش

1سورة طه - الاية 10
الصفحة 82 من 1061