غَيْرِهِ مَعَ إِقْرَارُهُ بِأَنَّ سَيِّدَهُ مَنَحَ بِقُدْرَتِهِ لِسَانَهُ، وَأَنَّ اللِّسَانَ يُنَبِّئُ عَنْ ذَاتِهِ وَالْقَلْبُ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ بُنِيَ عَنْ غَيْرِهِ، وَالنَّاطِقُ سَاكِنٌ فِيهِ وَفِي وَسَطِ الْقَلْبِ، وَلَيْسَ هُوَ خَارِجًا عَنْهُ، بَلْ مُمْتَزِجٌ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ خَارِجًا عَنِ الْإِنْسَانِ لَكَانَ الْكَلَامُ مِنْ غَيْرِ الْإِنْسَانِ، وَكَانَ الْكَلَامُ يُسْمَعُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْتَحَ الْإِنْسَانُ فَاهُ، وَلَمْ يُتَرْجَمْ بِلِسَانِهِ، وَلَا يُسْمَعُ لَهُ حَرَكَةٌ مِنْ كُلِّ حَاسَّةٍ، لِأَنَّ اللِّسَانَ مَا يَنْطِقُ إِلَّا بِمَا يُسِرُّهُ الْقَلْبُ، فَإِذَا اخْتَلَجَ فِي الْقَلْبِ شَيْءٌ، وَأَرَادَ الْقَلْبُ إِظْهَارَهُ أَدَّاهُ إِلَى اللِّسَانِ فَيَنْطِقُ بِهِ، فَتَظْهَرُ الْحَرَكَةُ مِنَ الْإِنْسَانِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا النَّاطِقُ مُمْتَزِجًا فِي الْإِنْسَانِ كَامْتِزَاجِ الدَّمِ بِالْعُرُوقِ وَاللَّحْمِ، لَمَا ظَهَرَ الْكَلَامُ مِنْ ظَوَاهِرِ الْإِنْسَانِ وَجَوَارِحِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْكَلَامَ يَظْهَرُ عَلَى وَجْهِ الشَّخْصِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ، وَمِنَ الْعَالَمِ مَنْ يُظْهِرُ فِي جُثَّتِهِ الْغَلَبَةَ الْعَظِيمَةَ، وَذَلِكَ جَمِيعُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ هُوَ الْأَصْلُ، لِأَنَّنَا نَرَى الْإِنْسَانَ يَفْقِدُ بَصَرَهُ، وَيَفْقِدُ سَمْعَهُ، وَنَرَاهُ يَتَحَدَّثُ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرَهُ هَذَا الْكَافِرُ الْمَلْعُونُ لَكَانَ الْأَعْمَى عَمِيَ عَمَّا يُحَدِّثُ بِهِ، لِأَنَّهُ أَعْمَى لَا يُبْصِرُ، وَكَذَلِكَ الْأَطْرَشُ لَا يَتَحَدَّثُ لِأَنَّهُ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ الْأَخْرَسُ لَا يَعْلَمُ حَالًا مِنَ الْأَحْوَالِ بَلْ يُومِئُ بِمَا يُسِرُّهُ قَلْبُهُ، وَلَا يُعَبِّرُهُ بِفَمِهِ، وَإِنَّمَا أَصْلُ الْإِنْسَانِ وَقِوَامُهُ وَمَسْكَنُ النَّاطِقَةِ الَّتِي تُدِيرُهُ وَتَحْمِلُهُ فَهُوَ قَلْبُهُ، لِأَنَّ النَّفْسَ وَالْقَلْبَ مُمْتَزِجَانِ كَامْتِزَاجِ




