لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾(1)، وَهَذَا الْكَافِرُ قَدْ جَعَلَ نُطْقَهُ هُوَ الْمَعْنَى وَأَقَامَهُ مَقَامَهُ وَلِسَانَهُ مَقَامَ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ، وَفَاهُ مَقَامَ السَّيِّدِ سَلْمَانَ، لِقَوْلِهِ لَعَنَهُ اللهُ: لِسَانِي رَبَّانِي، لِسَانِي رَبَّيْتُهُ وَرَبَّانِي وَتُرْجِمَ بِمَا قَامَ بِهِ بُرْهَانِي، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَافِرَ تَارَةً يَجْعَلُ نَفْسَهُ هِيَ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الْبَارِئُ، وَتَارَةً يَجْعَلُهَا جُزْءًا مِنْهُ وَتَارَةً يَجْعَلُهَا مَرْبُوبَةً مَخْلُوقَةً، وَتَارَةً يُثْبِتُ بِهَا جَنَّتَهُ، وَتَارَةً صُورَتَهُ وَهَذَا كَلَامُهُ جَمِيعُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ فِرْعَوْنَ الْمَلْعُونِ لِأَنَّ نَفْسَهُ أَقَامَهَا بِقَوْلِهِ: إِنِّي لَا أَقُولُ رَبُّكَ يَكُنْ كَائِنًا، وَلَكِنْ هَذَا يَدَّعِي نَفْسَهُ أَنَّهَا قَدِيمَةٌ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ كَوْنُهُ يُنْهِي الْقَوْلَ إِلَى لِسَانِهِ بِقَوْلِهِ: رَبَّيْتُهُ وَرَبَّانِي وَتُرْجِمَ بِمَا قَامَ بِهِ بُنْيَانِي، فَإِشَارَتُهُ هَذِهِ إِلَى النَّفْسِ لِأَنَّهَا قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مُحْدَثَةٌ غَيْرُ قَدِيمَةٍ ظَهَرَتْ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، فَإِنِ احْتَجَّ عَلَيْنَا مُحْتَجٌّ وَقَالَ: هَلْ كَانَ الْبَارِئُ يَعْلَمُ بِخَلْقِهَا أَمْ لَا، قُلْنَا لَهُ: بَلْ يَعْلَمُ بِخَلْقِهَا وَخَلْقِ مَا شَاءَ، لَكِنْ لَيْسَ بِعِلْمِهِ فِيهَا وَجَبَ لَهَا الْقِدَمُ وَإِنَّهَا غَيْرُ مُحْدَثَةٍ لِأَنَّ الْخَيَّاطَ يَعْلَمُ فِي خِيَاطَةِ الثَّوْبِ حِينَ يُرِيدُ أَنْ يَخِيطَهُ وَأَنَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَصْنَعَهُ فِي ذَاتِهِ، لِكَوْنِهِ صَنْعَتَهُ وَهُوَ مَطْوِيٌّ فِي عِلْمِهِ، وَلَمْ نَعْرِفِ الصَّانِعَ إِلَّا بِالصَّنْعَةِ، وَلَمَّا أَنْ أَحْدَثَ الصَّنْعَةَ وَجَبَ لَهُ الْقِدَمُ وَالْقُدْرَةُ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْخَيَّاطَ إِذَا خَاطَ قَمِيصَهُ وَضَيَّقَهُ وَنَفَرَ مِنْهُ ثُمَّ عَادَ فَتَقَهُ فَمَا لِلْقَمِيصِ قُدْرَةٌ
1سورة الذاريات - الاية 47 - 50




