إِلَى دُبُرِهِ، فَصَارَتْ هَذِهِ الصُّوَرُ سُفْلَانِيَّةً غَيْرَ عَالِيَةٍ، عَاجِزَةً غَيْرَ قَادِرَةٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَسَيْفِي فِي الْأَنَامِ مُشْتَهِرٌ فَهَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ أَنَّ لِسَانَهُ وَأَلْسِنَةَ جَمِيعِ الْخَلْقِ هُمُ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ -عَزَّ عَزُّهُ- لَمَا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ، وَلَا نَطَقُوا جَمِيعُهُمْ إِلَّا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ التَّوْحِيدُ، وَلَا وَقَعَ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِ الْخِلَافُ وَالْكَذِبُ، وَلَا خَلَقَ اللهُ نَارًا وَلَا جَنَّةً وَلَا حِسَابًا وَلَا نُشُورًا، بَلْ كَانَ جَمِيعُ الْخَلْقِ مُقِرِّينَ عَارِفِينَ، وَلَا كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ، وَلَوْ عَذَّبَهُمْ لَظَلَمَهُمْ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ هُوَ النَّاطِقَ فَعَلَى مَنْ وَقَعَ الْعَذَابُ؟ لِأَنَّهُمْ مَا بَقِيَ لَهُمْ حَدِيثٌ، بَلْ بَقِيَ الْأَمْرُ لِأَنَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ، فَكَيْفَ يَجْرِي عَلَى نَفْسِهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ عَلَى غَيْرِهِ؟ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ كَذِبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾(1)، وَإِذَا كَانَ آدَمُ الَّذِي هُوَ أَبُو جَمِيعِ هَذَا الْعَالَمِ قَدْ نَسِيَ وَلَا يَجِدُ لَهُ عَزْمًا، وَأَنَّهُ عُهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ وَالْبَارِئُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى غَيْرُ نَاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾(2) مَعَ قَوْلِهِ حِكَايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ لَمَّا سَأَلَ مُوسَى عَنْ عِلْمِ الْقُرُونِ الْأُولَى ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾(3)، وَالْكِتَابُ هُوَ مُوسَى
1سورة طه - الاية 115
2سورة مريم - الاية 23
3سورة طة - الاية 51 - 52




