وَعَصَوْا أُهْبِطُوا وَسُجِنُوا فِي الْهَيَاكِلِ الطِّينِيَّةِ وَحُجِبُوا فِيهَا، وَهِيَ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا
السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ -عَزَّ عَزُّهُ- بِقَوْلِهِ: الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ.
لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَمَّا عَصَى أُهْبِطَ وَسُجِنَ فِيهَا لِيُبْلَى بِالْمَرَضِ وَالسَّقَمِ وَالْفَقْرِ وَالذُّلِّ وَالْكَدَرِ وَأَسْرِ الطَّبِيعَةِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَصَى مَوْلَاهُ سَجَنَهُ وَأَضَرَّهُ وَجَوَّعَهُ وَأَبْعَدَهُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِ لِيَتُوبَ عَلَيْهِ وَيَأْخُذَ مِنْهُ الْقِصَاصَ، فَإِذَا تَابَ وَأَنَابَ وَاسْتَغْفَرَ عَادَ إِلَى مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ بِهِ، وَكَذَا هَذِهِ الْأَنْفُسُ لَمَّا عَصَتْ فَأُهْبِطَتْ وَحُجِبَتْ عَنِ النَّظَرِ إِلَى بَارِئِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾(1)، وَبُلِيَتْ بِهَذِهِ الْأَجْسَادِ الَّتِي نَتَمَنَّى الْخَلَاصَ مِنْهَا وَلَا نَجِدُهُ فَإِذَا عَرَفَتْ أَنَّهَا مَسْجُونَةٌ مُعَاقَبَةٌ تَابَتْ وَأَنَابَتْ وَأَقْلَعَتْ فَصَفَتْ وَعَادَتْ إِلَى مَنْزِلِهَا الْقَدِيمِ الْعُلْوِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾(2) وَالْمُؤْمِنُونَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُمُ السَّبْعَةَ عَشَرَ الْمُنْبَؤُونَ لِأَنَّهُمْ هُدَاةُ الْعَالَمِ إِلَى بَارِئِهِمُ الْقَدِيمِ وَسَبَبُ عَوْدِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَوَاضِعِهِمْ، وَأَمَّا قَوْلُهُ -عَزَّ عَزُّهُ- :




