-عَزَّ عَزُّهُ- وَكَانَ لَهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ حَامِلًا إِلَى يَوْمٍ أَتَتْنَا بِهِ فَأَتَاهَا الطَّلْقُ وَكَانَ يَوْمُ أَحَدٍ فَوَقَفَتْ بِإِزَاءِ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ وَرَمَقَتْ بِطَرْفِهَا إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَتْ: رَبِّي إِنَّنِي مُؤْمِنَةٌ بِكَ وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- وَإِلَى كُلِّ نَبِيٍّ، وَكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلْتَهُ، وَإِنِّي مُصَدِّقَةٌ بِمَكَانِ جَدِّي إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ إِنَّهُ بَنَى بَيْتَكَ الْعَتِيقَ، فَبِحَقِّ هَذَا الْبَيْتِ وَمَنْ بَنَاهُ إِلَّا مَا سَتَرْتَ وِلَادَتِي بِحَقِّ هَذَا الْمَوْلُودِ الَّذِي فِي أَحْشَائِي، وَكَانَتْ تُعْرَفُ بِقَوْمِهَا بِصُورَةِ الْفَاضِلَةِ، قَالَ الْعَبَّاسُ وَيَزِيدُ بْنُ قَعْنَبٍ: فَانْفَتَحَ الْبَيْتُ وَغَابَتْ عَنْ أَبْصَارِنَا، فَأَجْهَدْنَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهَا وَاحِدَةٌ مِنَ النِّسَاءِ فَمَا قَدِرْنَ عَلَيْهَا فَبَقِيَتْ فِي الْبَيْتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَخَذَتْ عَلِيًّا عَلَى يَدِهَا ثُمَّ قَالَتْ: مَعَاشِرُ النَّاسِ إِنَّ اللهَ -عَزَّ عَزُّهُ- اخْتَارَنِي مِنْ خَيْرِ نِسَاءِ خَلْقِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى جَمِيعِ الْمُخْتَارَاتِ اللَّوَاتِي مَضَيْنَ قَبْلِي، اِخْتَارَ اللهُ آسِيَةَ بِنْتَ مُزَاحِمٍ لِأَنَّهَا عَبَدَتْ اللهَ فِي مَوْضِعٍ يَجِبْ أَلَّا يُعْبَدَ فِيهِ وَاخْتَارَ اللهُ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ فِي وِلَادَةِ عِيسَى -عَزَّ عَزُّهُ- فَهَزَّتْ إِلَيْهَا بِالْجِذْعِ الْيَابِسِ مِنَ النَّخْلَةِ، حَتّى تَسَاقَطَ عَلَيْهَا رُطَبًا جَنِيًّا وَإِنَّ اللهَ اخْتَارَنِي وَفَضَّلَنِي بِأَنِّي وَلَدْتُ فِي بَيْتِهِ الْعَتِيقِ، وَبَقِيتُ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ آكُلُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ فَلَمَّا خَرَجْتُ وَمَعِي وَلَدِي هَتَفَ بِي هَاتِفٌ يَقُولُ: يَا فَاطِمَةُ سَمِّيهِ عَلِيًّا فَهُوَ عَلِيٌّ وَأَنَا الْعَلِيُّ الأَعْلَى خَلَقْتُهُ مِنْ قُدْرَتِى وَقِسْطِ عَدْلِي وَعِزَّةِ جَلَالِي وَاشْتَقَقْتُ اِسْمَهُ مِنْ اِسْمِي وَأَدَّبْتُهُ بِآدَابِي وَفَوَّضْتُ إِلَيْهِ أَمْرَ دِينِي وَأَوْقَفْتُهُ عَلَى غَامِضِ عِلْمِي وُلِدَ فِي بَيْتِي وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يُؤَذِّنُ فَوْقَ بَيْتِي وَيَكْسِرُ الأَصْنَامَ وَيَرْمِيهَا عَلَى وَجْهِهَا وَيُعَظِّمُنِي وَيُمَجِّدُنِي وَيُهَلِّلُنِي وَيُقَدِّسُنِي وَهُوَ الإِمَامُ بَعْدَ حَبِيبِي مُحَمَّدٍ وَهُوَ وَصِيُّهُ فَطُوبَى لِمَنْ أَطَاعَهُ وَالْوَيْلُ لِمَنْ عَصَاهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ بِإِسْنَادِهِ يَرْفَعُهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِأَبِي طَالِبٍ لَمَّا حَمَلَتْ بِعَلِيٍّ: إِنْ كَانَ حَمْلِي هَذَا ذَكَرًا فَمَاذَا أُسَمِّيهِ؟ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: تُسَمِّيهِ طَالِبًا، قَالَتْ: فَإِنَّ لَنَا طَالِبًا، قَالَ لَهَا: فَهَلْ لَكِ أَنْ تَنْتَظِرِي مَتَى أَنْ تَضَعِيهِ، فَإِنْ وَضَعْتِهِ ذَكَرًا تَحَاكَمْتُ أَنَا وَأَنْتِ إِلَى مُدَبِّرِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، قَالَتْ: نَعَمْ، فَلَمَّا وَضَعَتْهُ فِي الْكَعْبَةِ إلتَفَتَتْ فَاطِمَةُ وَقَالَتْ لِأَبِي طَالِبٍ: قَدْ وَضَعْتُهُ ذَكَرَاً مَا الشَّرْطُ؟ فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَخَرَجَ بِهَا إِلَى الأَبْطَحِ وَعَلِيٌّ عَلَى صَدْرِهَا فَلَمَّا أَصْبَحَا، نَادَى أَبُو طَالِبٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَقَالَ شِعْرًا:
يَا رَبَّ هَذَا الْغَسَقِ الدَّجِيِّ | وَالْفَلَقِ الْمُبْلَجِ الْمُضِيِّ | |
مَاذَا تَرَى فِي اِسْمِ ذَا الصَّبِيِّ | بَيِّنْ لَنَا مِنْ حُكْمِكَ الْمَقْضِيِّ |
قَالَ: فَجَاءَ شَيْءٌ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ حَتَّى حَصَلَ عَلَى صَدْرِ أَبِي طَالِبٍ فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ فَلَمَّا أَصْبَحَ فَإِذَا بِلَوْحٍ أَخْضَرَ فِيهِ مَكْتُوبٌ:
خُصِصْنَا بِالْوَلَدِ الزَّكِيِّ | الطَّاهِرِ الْمُنْتَجَبِ الرَّضِيِّ | |
مَا لَهُ في إسمهِ سَمَّى | عَلِيٌّ اشْتُقَّ مِنَ الْعَلِيِّ |
قَالَ: فَعَلَّقَ أَبُو طَالِبٍ اللَّوْحَ عَلَى الْكَعْبَةِ، فَلَمْ يَزَلْ مُعَلَّقًا عَلَيْهَا إِلَى أَيَّامِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَإِنَّهُ خَلَعَ ذَلِكَ اللَّوْحَ عَنْهَا، فَإِذَا كَانَتْ هذِهِ رِوَايَاتُ أَهْلِ الظَّاهِرِ الَّذِينَ لا يَشُكُّونَ أَنَّهُ مِثْلُهُمْ فَالَّذِينَ يُقِرُّونَ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ نُورًا وَبَشَرًا أَحَقُّ أَنْ يُنَزِّهُوهُ عَنِ النَّاسُوتِ وَأَنْ يُسَمُّوهُ أَوْ يَتَسَمُّوا بِأَسْمَائِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا كَمَا قَالَ -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهِ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾(1)، وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾(2).
وَأَوْرَدَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْخُصَيْبِيُّ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- لِأَهْلِ الظَّاهِرِ مِثْلَ هَذَا كَثِيرًا عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ لَوْ ذَهَبْتُ إِلَى ذِكْرِهِ لَطَالَ بِهِ الشَّرْحُ.
فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمُقْرِي قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زَيْدٍ الدَّهَّانُ عَنِ الْمَجُونِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ رَشِيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ -مِنْهُ السَّلَامُ- قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ قَالَ: يَا سَلْمَانُ إِنَّ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا رَسُولًا إِلَّا جَعَلَ لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، قَالَ سَلْمَانُ -مِنْهُ السَّلَامُ- قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ عَرَفْتُ هَذَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ، قَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : يَا سَلْمَانُ أَشَهِدْتَ أَوْ عَلِمْتَ مَنْ نُقَبَائِي وَمَنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا الَّذِينَ اخْتَارَهُمُ اللهُ مِنْ بَعْدِي؟ فَقَالَ سَلْمَانُ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : يَا سَلْمَانُ خَلَقَنِي اللهُ مِنْ صَفْوَةِ نُورِهِ فَدَعَانِي فَأطَعْتُهُ وَخَلَقَ مِنْ نُورِي عَلِيًّا فَدَعَاهُ فَأَطَاعَهُ وَخَلَقَ مِنِّي وَمِنْ عَلِيٍّ فَاطِمَةَ فَدَعَاهَا فَأَطَاعَتْ وَخَلَقَ مِنِّي وَمِنْ عَلِيٍّ وَمِنْ فَاطِمَةَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَدَعَاهُمَا فَأَطَاعَاهُ فَسَمَّانَا بِخَمْسَةِ أَسْمَاءٍ مِنْ أَسْمَائِهِ فَاللهُ الْحَمِيدُ وَأَنَا مُحَمَّدٌ وَاللهُ الْعَلِيُّ وَهَذَا عَلِيٌّ وَاللهُ فَاطِرٌ وَهَذِهِ فَاطِمَةُ وَاللهُ الْمُحْسِنُ وَهَذَا الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ. وَالْخَبَرُ بِتَمَامِهِ.




