إِلَيَّ يُسْجَدُ وَيُسَبَّحُ بِسَائِرِ اللُّغَاتِ؟ فَهَذَا قَدْ رَجَعَ وَادَّعَى الحُلُولَ، غَيْرَ أَنَّهُ يَعْكِسُ الحَالَ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ بِقَوْلِهِ: لِي يُسْجَدُ وَيُسَبَّحُ، لِأَنَّ السُّجُودَ لَا يَقَعُ إِلَّا مِنْ عَاقِلٍ يَسْجُدُ لَهَا، مِنْ شَخْصٍ ذَلِيلٍ وَعَبْدٍ مَخْلُوقٍ مَرْبُوبٍ، وَأَنَّهُ كُلَّمَا رَأَى قُدْرَةً تَقْهَرُ وَتُبْهِرُ، وَيُسَبِّحُ، وَإِنَّ البَارِئَ لَا يَسْجُدُ بِذَاتِهِ لِذَاتِهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ادَّعَى الاِسْمِيَّةَ، لِأَنَّ السُّجُودَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلسَّيِّدِ مُحَمَّدٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾(1) فَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ اللَّذَانِ هُمَا أَشْرَفُ مَخْلُوقَاتِ الْبَارِئِ، وَهُمَا اللَّذَانِ يُمِدَّانِ الْعَالَمَ الْعَلَوِيَّ وَالسُّفْلِيَّ بِالنُّورِ وَالْقُوَّةِ وَهُمَا الْمُفِيضَانِ عَلَى جَمِيعِ الْكَوْنِ، وَقَدْ نَهَى الْبَارِئُ عَنِ السُّجُودِ لَهُمَا وَهُمَا آيَةٌ مِنْ آيَاتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَمَا أَمَرَ الْبَارِئُ بِالسُّجُودِ إِلَّا لِلسَّيِّدِ مُحَمَّدٍ -عَزَّ عَزُّهُ- لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، فَالْعِبَادَةُ لِلْمَعْنَى الَّذِي هُوَ أَمِيرُ النَّحْلِ، فَامْتَثِلُوا لِأَمْرِهِ وَاسْجُدُوا لِلسَّيِّدِ مُحَمَّدٍ -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَكُلُّ ظَاهِرٍ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مِنْ خِلْقَةِ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ -عَزَّ عَزُّهُ- لِأَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْكَوْنِ فِي قَبْضَتِهِ، وَلَا يَنْبَغِي السُّجُودُ إِلَّا لِلْخَالِقِ، وَهَذِهِ فَضِيلَةٌ لِلسَّيِّدِ مُحَمَّدٍ -عَزَّ عَزُّهُ- أَرَادَ الْأَزَلُ
1سورة فصلت - الاية 27




