مَكَانٌ وَلَا يُفْقِدُهُ زَمَانٌ، وَلَا يَلِيقُ بِهِ مُبَاحَثَةُ الْوُجُودِ، وَلَا أَقْسَامُ الْكَلَامِ، مَا كَانَ فِي مُلْكِهِ فَفِي مُلْكِهِ يَدُورُ، وَمَا كَانَ فِي خَلْقِهِ فَفِي خَلْقِهِ يَجُورُ، صِفَتُهُ لَا صِفَةَ لَهُ، وَشَأْنُهُ لَا غَايَةَ لَهُ، وَفِعْلُهُ لَا عِلَّةَ لَهُ، وَكَوْنُهُ لَا أَمَدَ لَهُ، لَهُ مِنَ الأَسْمَاءِ(1) مَعْنَاهَا وَمِنَ الْحُرُوفِ مَجْرَاهَا(2)، وَكَيْفَ تَكُونُ لَهُ غَايَةٌ؟ وَالْغَايَةُ مِنْ خَلْقِهِ، وَكَيْفَ تَكُونُ لَهُ نِهَايَةٌ، وَالنِّهَايَةُ مِنْ صَنْعَتِهِ(3) وَالصَّنْعَةُ عَلَى نَفْسِ صَانِعِهَا تَدُلُّ وَفِي مِثْلِهَا تَحِلُّ لَيْسَ لَهُ بِخَلْقِهِ امْتِزَاجٌ، وَلَا لَهُمْ فِي فِعْلِهِ عِلَاجٌ، بَايَنَهُمْ فِي قِدَمِهِ رَبًّا كَمَا بَايَنُوهُ فِي حُدُوثِهِمْ خَلْقًا، مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ شَبَّهَهُ وَمَنْ لَمْ يَصِفْهُ فَقَدْ نَفَى وُجُودَهُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِالْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ، إِنْ قُلْتَ مَتَى فَقَدْ سَبَقَ الْوَقْتُ ذَاتَهُ، وَإِنْ قُلْتَ أينَ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْمَكَانُ وُجُودَهُ، وَإِنْ قُلْتَ قَبْلَ فَالْقَبْلُ بَعْدَهُ، وَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ فَقَدْ اِحْتَجَبَ عَنِ الْوَصْفِ ذَاتُهُ، وَإِنْ قُلْتَ هُوَ هُوَ فَالْهَاءُ وَالْوَاوُ مِنْ خَلْقِهِ وَصَنْعَتِهِ وَرَجَعَ مَعْنَى الْوَصْفِ فِي الْوَاصِفِ وَعَمِيَ الْعَقْلُ عَنِ الإِدْرَاكِ، وَانْتَهَى الْمَخْلُوقُ إِلَى مِثْلِهِ وَاسْتَنَدَ الطَّالِبُ إِلَى شَكْلِهِ وَهَجَمَ الْبَحْثُ عَلَى الْعَجْزِ فَالسَّبِيلُ إِلَيْهِ مَسْدُودٌ وَالطَّالِبُ إِلَيْهِ مَرْدُودٌ، دَلِيلُهُ آيَاتُهُ، وَمَعْرِفَتُهُ إِثْبَاتُهُ وَتَوْحِيدُهُ تَجْرِيدُهُ، وَتَجْرِيدُهُ تَنْزِيهُهُ، وَتَنْزِيهُهُ أَنْ تَصِفَهُ بِصِفَاتِ الْفَضْلِ وَالْكَمَالِ وَتَنْفِي عَنْهُ صِفَاتِ الْعَجْزِ وَالْمُحَالِ، هُوَ الأَوَّلُ لَا أَوَّلَ لَهُ وَهُوَ الآخِرُ لَا آخِرَ لَهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ لَا ظَاهِرَ لَهُ وَهُوَ الْبَاطِنُ لَا بَاطِنَ لَهُ، بِهِ تُوصَفُ الصِّفَاتُ لَا بِهَا يُوصَفُ، وَبِهِ يُعْرَفُ الْعَقْلُ لَا بِالْعَقْلِ يُعْرَفُ، وَهُوَ فَوْقَ الأَشْيَاءِ وَلَيْسَتِ الأَشْيَاءُ فَوْقَهُ، وَجْهُهُ حَيْثُ تَوَجَّهْتَ، طَرِيقُهُ حَيْثُ اسْتَقَمْتَ، مِنْكَ يُفَهِّمُكَ وَعَنْكَ يُعَلِّمُكَ لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ وَلَا تُغَيِّرُهُ الدُّهُورُ وَهُوَ الْعَلِيُّ العظيمُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْقَوَّامِ السُّلَمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أبَا جَعْفَرٍ البَاقِرِ -عَزَّ عَزُّهُ- يَقُولُ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ -عَزَّ عَزُّهُ- قَالَ لِبَوَّابِهِ الأَنْفَسْ: اِعْمَلُوا مَا أُصَوِّرُهُ وادْرُوا مَا أَقُولُ وَأُخَاطِبُكُمْ بِهِ تَكُونُوا مِنَ الْعَالِمِينَ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ صِفِّينَ أَتَاهُ أَهْلُ الشَّامِ فِي سَبْعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ وَغَيْرِهِمْ فَمَنَعَ أَصْحَابَهُ أَهْلَ الْعِرَاقِ الْقِتَالَ، ثُمَّ إِنَّهُ رَآهُمْ قَدْ تَصَافُّوا فَكَبَّرَ وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ حَمْلَةً وَاحِدَةً فَأَلْجَأَهُمْ إِلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ حَتَّى صَارُوا فِي قَبْضَتِهِ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾(4) ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى أُفُقِ السَّمَاءَ وَجَمَعَهَا بِيَمِينِهِ، وَقَدْ نَزَلَتِ الشَّمْسُ وَهَوَتْ نَازِلَةً إِلَيْهِ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ فَرَجَعَتِ الشَّمْسُ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا، وَذَهَبَ أَهْلُ الشَّامِ يتَهافَتونَ فِي الْفُرَاتِ فَرَدَّهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- فَوَثَبُوا قِيَامًا




