الْأَزَلَ لَمَّا تَجَلَّى لِلسَّيِّدِ مُوسَى بِالذَّاتِ كَمَا اخْتَرَعَهُ انْدَكَّ الْبَابُ فِي مُبْدِعِهِ وَغَابَ عُنْصُرُهُ لِأَنَّهُ مِنْ جَسَدِ الْمِيمِ، وَلَمْ يَسْتَقِرَّ لِذَاتِهِ بَلِ انْدَكَّ فِي مُبْدِعِهِ وَغَابَ فِي قَدِيمِهِ وَهُوَ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ، وَعَادَ شَيْئًا وَاحِدًا لَمَّا خَلَقَهُ مِنْ نُورِهِ وَجَعَلَهُ نُورًا مُجَسَّدًا ظَاهِرًا لِلْعَالَمِ وَخَلَقَ بِهِ جَمِيعَ الْعَوَالِمِ فَلَمَّا أَعَادَهُ إِلَيْهِ وَغَيَّبَهُ فِيهِ عَادَ الِاسْمُ وَحْدَهُ، وَانْدَكَّ الْبَابُ فِيهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ فِيهِ شَيْخُنَا وَسَيِّدُنَا وَإِمَامُ عَصْرِنَا السَّيِّدُ الْخَصِيبِيُّ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي رِسَالَتِهِ: وَأَقَامَ السَّيِّدَ مُوسَى بِالنُّورَانِيَّةِ دُونَ الْجُسْمَانِيَّةِ، وَقَدْ جَاءَ بِالنَّقْلِ أَنَّ مَوْلَانَا تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَجَلَّتْ صِفَاتُهُ إِذَا شَاءَ أَنْ يُغَيِّبَ الِاسْمَ تَحْتَ تَلَأْلُؤِ نُورِهِ، وَجَسَدُهُ هُوَ السَّيِّدُ الْبَابُ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا﴾ فَالصَّعْقُ هُوَ الْغَيْبَةُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا سَلَبَهُ جَسَدَهُ النُّورِيَّ وَغَابَ الِاسْمُ فِي عَيْنِهِ، وَالصَّعْقُ إِنَّمَا هُوَ الْإِذْعَانُ لِلْأَزَلِ وَقَدِ اخْتَفَى عَنْ كِيَانِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَذَلِكَ لَمَّا رَجَعَ فَصْلُهُ وَأَظْهَرَهُ، قَالَ لِبَيَانِهِ عَنْهُ وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، وَقَوْلُهُ ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾(1) وَقَوْلُهُ ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾(2) وَكَانَتِ الصَّعْقَةُ إِسْلَابَهُ جَسَدَهُ النُّورِيَّ وَغَيْبَتَهُ فِي عُنْصُرِهِ،
1سورة يوسف - الاية 24
2سورة النمل - الاية 10




