قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾(1)، وَمَعْنَاهُ كُنْ فَكَانَ، ثُمَّ يَكُونُ الْخَلَائِقُ بِخِلْقَتِهِمْ وَيُمَكِّنُهُمْ بِالْمَعْرِفَةِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمَكَانُ وَالظِّلُّ، فَلَمَّا أَظْهَرَ الْمُعْجِزَاتِ وَالْقُدْرَةَ وَأَمَاتَ الْأَحْيَاءَ وَأَحْيَا الْأَمْوَاتَ وَأَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَخَلَقَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَنَفَخَ فِيهِ فَكَانَ طَيْرًا فَادَّعَى فِيهِ الْعَالَمُ الْإِلَهِيَّةَ وَقَالُوا: إِنَّهُ الْغَايَةُ الْقُصْوَى، فَوَقَعَ الْعَتَبُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ قَالَ ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾(2)، وَإِنَّمَا هُمْ لَمَّا رَأَوُا الْقُدْرَةَ الْعُظْمَى قَالُوا: لَا يَأْتِي بِمِثْلِ هَذَا إِلَّا الرَّبُّ الْعَظِيمُ وَالْإِلَهُ الْقَدِيمُ، فَلَمَّا وَقَعَ الْعَتَبُ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَسِيحُ وَالْمَسِيحُ أَجَلُّ وَأَعْلَى أَنْ يَقَعَ تَحْتَ الْعَتَبِ لَكِنَّ الْقَوْلَ بِمَعْنَى إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةُ، لِأَنَّ الْمَسِيحَ مَعَ هَذِهِ الْعَظَمَةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْمَكَانَةِ الْجَلِيلَةِ مَا ادَّعَى غَيْرَ الْعُبُودِيَّةِ، فَلَمَّا ادَّعَى الْعَالَمُ فِيهِ اللَّهُوتِيَّةَ وَقَعَ الْعَتَبُ وَالتَّخْوِيفُ عَلَيْهِمْ لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ فَوْقَ الْمَسِيحِ غَايَةٌ لَا تُدْرَكُ إِلَّا مِنْ حَيْثُ الْحَاجَةِ وَالِافْتِقَارُ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهِ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ
1سورة ال عمران - الاية 59
2سورة مريم - الاية 30




