فِي أَنْفُسِهِمْ، وَشَبَّهُوا الْبَارِي بِأَنْفُسِهِمْ فَكَبُرَتْ أَنْفُسُهُمْ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا هُوَ الِاسْتِكْبَارُ، وَلَكِنْ قَهَرَتْهُمُ الْقُدْرَةُ فَقَالُوا: بَلَى، كَمَا قُهِرُوا يَوْمَ الْغَدِيرِ حِينَ قَالَ عُمَرُ الْمَلْعُونُ: بَخٍ بَخٍ لَكَ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ أَصْبَحْتَ مَوْلَانَا وَمَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَهُوَ أَيْضًا اسْتِكْبَارُهُ كَوْنُهُ لَمَّا نَظَرَ السَّيِّدَ مُحَمَّدَ الْحَمْدَ ظَاهِرًا بِالصُّورَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَقَدْ خَلَقَهُ كَآدَمَ الثَّانِي مِنْ طِينٍ وَأَظْهَرَهُ عَلَى مِثَالِ صُورَتِهِ، وَهَذَا الْمَلْعُونُ نَارٌ مَحْضٌ، فَلَمَّا أُمِرَ بِالسُّجُودِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْحَالُ وَشَبَّهَ السَّيِّدَ مُحَمَّدًا بِآدَمَ الثَّانِي الْمَخْلُوقِ مِنْ طِينٍ فَأَبَى عَنِ السُّجُودِ وَاسْتَكْبَرَ وَقَالَ ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾(1)، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَرَّفَهُ نَفْسَهُ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ شَرِّ الْعَوَالِمِ، لِأَنَّ النَّارَ مِنَ النُّورِ تَوَلَّدَتْ، لِأَجْلِ ذَلِكَ صَارَتْ طَبِيعَةً وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ فِي جَمِيعِ الْعَوَالِمِ، فَوَقَعَ فِيهِ هَذَا الْقَوْلُ وَالتَّشْبِيهُ لِعُتُّوهِ وَكُفْرِهِ، وَالدَّلِيلُ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ شَرِّ الْعَوَالِمِ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ فِيهِمْ، فَمَتَى وَقَعَ عِنْدَ شَخْصٍ شَكٌّ أَوْ وَقْفَةٌ أَوْ حِيرَةٌ فِي مَعْرِفَةِ الْبَارِي كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّكِّ الْقَدِيمِ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مَعَهُ مُمْتَزِجٌ مِنْ وَقْتِ النِّدَاءِ لِقَوْلِهِ ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾(2) وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اسْتَحْسَنُوا الْكُفْرَ لِعُتُوِّهِمْ، وَشَكِّهِمْ يَوْمَ الْأَظِلَّةِ بَاقٍ مَعَهُمْ لِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ
1سورة الأعراف - الاية 12
2سورة فاطر - الاية 8




