بَدْوَ لَهُ وَالآخِرُ الَّذِي لَا وَارِثَ لَهُ، ذَاكَ الَّذِي قَالَ لِلشَّيْءِ كُنْ فَكَانَ، فَقُلْتُ: سَيِّدِي أَفَلَا يَظْهَرُ لِلْخَلْقِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَيْتُهُ فِيهَا، قَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : نَعَمْ، لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ فِي كُنْيَتِهِ وَلَوْ تَزَيَّا(1) لِلْعَالَمِ لَعَبَدُوهُ ظَاهِرًا كَمَا عَبَدُوهُ فِي الْسَّمَاءِ بَاطِنًا، قُلْتُ: سَيِّدِي أَلَسْتَ قُلْتَ لِيَ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾(2) قَالَ: قُلْتُ الْحَقَّ إِنَّمَا أعْنِي لَا إِدْرَاكَ إِحَاطَةٍ وَلَا يُحَاطُ بِهِ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى وَصْفِهِ(3) وَمُنْتَهَى كُنْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا سَلْمَانُ، أَتَدْرِي مَنْ الْمُنَادِي الَّذِي نَادَاكَ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَخُذْ مِنَ الْمَاءِ كَذَا وَكَذَا؟ فَقُلْتُ: أَظُنُّهُ بَعْضَ مَنْ رَأَيْتُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الصَّافِّينَ بَيْنَ يَدَيْهِ يُهَلِّلُونَهُ وَيُمَجِّدُونَهُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ، فَقَالَ: لَا تَذْهَبْ بِكَ الْمَذَاهِبُ يَا سَلْمَانُ، وَلَا تَشُكَّ فِيمَا اللهُ فِيهِ، فَوَاللهِ الَّذِي لَا يُحْلَفُ بِأَعْظَمَ مِنْهُ مَا كَانَ الْمُنَادِي غَيْرِي، وَلَا أَمَرَكَ بِمَا أَمَرَكَ سِوَايَ، قَالَ سَلْمَانُ: فَمَا مَرَّتِ الأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى رَأَيْتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لَعَنَهُ اللهُ مُتَّخِذًا لِعَلِيٍّ سَيْفًا فَتَعَجَّبْتُ مِنْ كُفْرِهِ، وَضَحِكْتُ مِنْ ذَلِكَ.
وَفِي ذَلِكَ الْكَلَامِ كِفَايَةٌ، وَمَا لَنَا أَنْ نَخْرُجَ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ لِأَنَّ بِهِ لِلْعُلَمَاءِ مَعْرِفَةُ الظَّاهِرِ الْمَوْجُودِ، وَأَمَّا الْبَاطِنُ فَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ إِلَّا أَنْ تَقُولَ كَمَا قَالَ اللهُ فِي كِتَابِهِ ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾(4).
وَقَالَ الْمَعْنَى -عَزَّ عَزُّهُ- : ظَاهِرِي إِمَامَةٌ وَوَصِيَّةٌ وَبَاطِنِي غَيْبٌ لَا يُدْرَكُ.
وَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- فِي الْكِتَابِ الْكَرِيمِ ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ(5)﴾(6)وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ(7) وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾(8) (يُؤْمِنُونَ بِالْمَعْنَى وَيَعْرِفُونَ الاِسْمَ وَهُوَ الصَّلَاةُ)(9) وَقَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾(10) وَالذِّكْرُ هُوَ الإِمَامُ الظَّاهِرُ الْمَرْئِيُّ وَإِتِّبَاعُهُ وَطَاعَتُهُ، وَالإِيمَانُ بِهِ وخَشْيَتُهُ بِالْغَيْبِ وَالإِقْرَارُ لَهُ بِالْمَعْنَوِيَّةِ وَاللَّاهُوتِيَّةِ وَأَنَّهُ الأَزَلُ الْقَدِيمُ الَّذِي لَمْ يَزُلْ عَنْ كَيَانِهِ وَإِنْ ظَهَرَ لِعَيَانِهِ، وَالأَمْرُ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ، وَنَحْنُ أَصْغَرُ وَأَقَلُّ، وَالأَمْرُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَأَنْ يُحَاطَ بِهِ، وَالْعُمْرُ أَقْصَرُ أَنْ يُلْقَى لَهُ طَرَفٌ.




