وَإِنَّمَا ظُهُورُهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ بِالصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ الَّتِي بَاشَرَ بِهَا الْخَلْقَ لِلِاسْتِئْنَاسِ وَخَلَقَ آدَمَ الثَّانِيَ عَلَى مِثَالِ صُورَتِهِ فَكَانَ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ هُوَ الْمَثَلَ الْأَعْلَى، وَآدَمُ الثَّانِي هُوَ الْمَهْبُوطُ عَلَيْهِ، الْمَخْلُوقُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَكَانَ كَمَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ الْكَرِيمِ ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾(1)، وَذَلِكَ لَمَّا ظَهَرَتِ الْقُدْرَةُ مِنَ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ سَجَدَتْ لَهُ جَمِيعُ الْخَلَائِقِ، لِأَنَّ السُّجُودَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْخَالِقِ لَا لِلْمَخْلُوقِ، وَالْبَارِئُ لَمَّا أَرَادَ مِنَ الْعَالَمِ السُّجُودَ لِعِيسَى لِيَعْرِفُوا أَنَّهُ مَظْهَرُ آدَمَ لَمَّا خَلَقَ الطَّيْرَ وَأَحْيَا الْمَيْتَ وَظَهَرَتِ الْقُدْرَةُ مِنْهُ كَمَا ظَهَرَتْ أَوَّلًا لِأَنَّهُ هُوَ آدَمُ الدَّوَامِ، وَهَذَا تَنْزِيهُ الْمَسِيحِ وَآدَمَ عَنْ عَالَمِ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ، وَأَمَّا الْكَوْنُ فَقَدْ عُرِفَ بَدْؤُهُ، وَأَمَّا الْفَسَادُ فَقَدْ قَالَ اللهُ فِيهِ ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾(2) لَكِنَّهُ مَعْدِنُ صِفَاتِهِ وَمَكَانُ التَّجَلِّي، ثُمَّ إِنَّ السَّيِّدَ مُحَمَّدًا لَمَّا خَلَقَ الْعَوَالِمَ وَذَرَأَهُمْ بِإِذْنِ بَارِتِهِ فَأَوْقَفَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ بَارِئِهِ وَهُمْ نُورَانِيُّونَ وَجَعَلَ فِيهِمْ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ وَالنُّطْقِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْمَعْرِفَةِ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَذَلِكَ لِيَعْرِفُوا الرَّبَّ مِنَ الْمَرْبُوبِ، وَالْقَادِرَ مِنَ الْمَقْدُورِ لِقَوْلِهِ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
1سورة ص - الاية 71 - 72
2سورة النساء - الاية 157




