قَالَ جَابِرٌ -مِنْهُ السَّلَامُ- فِي وَصْفِهِ: السِّرَاجُ الْمِصْبَاحُ رُوحُ مُحَمَّدٍ، وَالْفَتِيلَةُ وَالدُّهْنُ الزَّيْتُ قَلْبُهُ وَالْمِشْكَاةُ وَهِيَ الْبَرَهْرَهُ(1) الَّتِي فِي مُحَمَّدٍ وَرُوحُ الْقُدُسِ بِكَمَالِهِ فِي الإِمَامِ.
وَقَدْ أَضَفْتُ إِلَى هَذِهِ الأَخْبَارِ مِنْ كِتَابِ الأَنْوَارُ وَالْحُجُبُ الَّذِي أَلَّفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ: سَمِعْتُ الْعَالِمَ -عَزَّ عَزُّهُ- يَقُولُ: هَذِهِ الْحُجُبُ هِيَ حُجُبٌ بَشَرِيَّةٌ، يَحِلُّ فِيهَا رُوحُ اللَّاهُوتِ فَيَأْمُرُ وَيَنْهَى وَيُظْهِرُ الْمَوْتَ وَالْقَتْلَ وَالْمَرَضَ وَالْعَجْزَ، وَذَلِكَ وَاقِعٌ عَلَى حِجَابِهِ الْبَشَرِيِّ، وَاللهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ يَقَعُ عَلَى حِجَابِهِ النُّورِيِّ الَّذِي هُوَ النَّفْسُ وَفِيهِ الْمَعْنَى جَلَّ وَتَعَالَى، وَالنَّفْسُ حَالَةٌ فِي الْبَشَرِيَّةِ التُّرَابِيَّةِ، أَلاَ تَرَى إِلَى قَوْلِ الْبَاقِرِ -عَزَّ عَزُّهُ- لِوَلِيِّهِ جَابِرَ: يَا جَابِرُ لَا يَصْلُحُ الرُّوحُ الأَزَلُ العُلْوِيُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ غِلَافاً عُلْوِياً في جَوْفِ غِلافٍ سُفْلِيٍّ وَهُوَ حِجَابُ الظُّلْمَةِ وَالعُلْوِيُّ هُوَ النَّفْسُ، وَلَوْ ظَهَرَ الرُّوحُ النُّورِيُّ بِالنُّورَانِيَّةِ العُظْمَى لَأَطْفَأَ كُلَّ نُورٍ غَيْرَهُ.
وَسَأَشْرَحُ هَذَا الفَصْلَ عِنْدَ شَرْحِ الكِتَابِ الْمَذْكُورِ وَتَفْسِيرِهِ لِلْجَوَابِ جَوَابُهُ الَّذِي يَقُولُ أَنَّ عَلِيًّا اِسْمُ النَّاسُوتِ وَاللهُ اِسْمُ اللَّاهُوتِ عَلَيْهِ خَطَأٌ كَبِيرٌ: لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اخْتِلَاطُ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ إلَّا أَنْ نَقُولَ كَمَا يَقُولُ سَائِرُ الْخَلْقِ أَنَّ عَلِيًّا مِنْ جُمْلَةِ النَّاسُوتِ وَأَنَّ اللهَ لَاهُوتُ غَيْرِهِ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ أَنَّ الصُّورَةَ الْمَرْئِيَّةَ هِيَ اللَّاهُوتُ وَهِيَ النَّاسُوتُ، وَأَنَّ اللهَ اِسْمُ لَاهُوتٍ وَأَنَّ عَلِيًا اِسْمُ نَاسُوتٍ فَقَدْ كَفَرَ وَأَشْرَكَ بِاللهِ مَا لَمْ يُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَجَعَلَ عِلَّةَ الْوُجُودِ جِسْمَ عَلِيٍّ كَسَائِرِ الأَجْسَامِ الْبَشَرِيَّةِ فِيهِ نُورٌ مِنْ نُورِاللَّاهُوتِ وَهُوَ مُحَمَّدٌ وَهِيَ الرُّوحُ الرُّوحَانِيَّةُ الْمُنْسُوبَةُ إِلَى الْعَقْلِ وَالإِيمَانِ لِأَنَّهَا لَا تَنَامُ وَلَا تَجْهَلُ وَلَا تَدْخُلُ فِي الْمَحْذُورَاتِ وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ قَبِيحًا وَفَسَادًا تَرَاءَى لَهُ مِنْ نَفْسِهِ آمِرٌ وَنَاهٍ، فَالآمِرُ بِالْفَسَادِ وَهِيَ النَّفْسُ الْمُسَوِّلَةُ وَالنَّاهِي هِيَ الرُّوحُ الرُّوحَانِيَّةُ وَهِيَ جَوْهَرُ السَّبِيلِ الْمَنْسُوبَةُ إِلَى الْعَقْلِ وَالإِيمَانِ، فَإِذَا أَصَرَّ عَلَى فِعْلِ الْمَكْرُوهِ خَرَجَتْ رُوحُ الْعَقْلِ مِنْهُ، وَيَفْعَلُ مَا هَمَّ بِهِ فَإِذَا أَتَمَّ الْفِعْلُ عَادَتْ إِلَيْهِ فَتُرِيهِ سُوءَ عَمَلِهِ، وَيَقَعُ فِي الْمَلَامَةِ وَالنَّدَامَةِ فَإِنْ كَافَأَهُ اللهُ سَرِيعًا بِعَمَلِهِ يَجِدُ اللُّؤْمَ بِنَفْسِهِ وَيَقُولُ يَا نَفْسُ كَمْ حَذَّرْتُكِ وَلَمْ تَقْبَلِي وَإِنْ أَمْهَلَهُ عَادَ إِلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَعَلَامَةُ الْكَافِرِ الْكُلِّيِّ إِنْ فَعَلَ الشَّرَّ وَالْقَبِيحَ مِثْلَ الْقَتْلِ وَالزِّنَى وَالْفَسَادِ فِي الأَرْضِ لَمْ يَنْدَمْ عَلَى فِعْلٍ يَفْعَلُهُ، وَلَا يَجِدُ عَلَى فِعْلِهِ مَا يُؤَنِّبُهُ عَلَى قَبيِحِ فِعْلِهِ.
وَقَدْ أَوْضَحَ هَذَا الْفَصْلَ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ مَيْمُونُ بْنُ الْقَاسِمِ الطَبَرانيُّ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي كِتَابِ الْمَعَارِفُ الَّذِي أَلَّفَهُ فِي بَابِ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ وَالأَعْضَاءِ وَالْجَوَارِحِ وَإِنَّ في الإِنْسَانِ خَمْسَةُ أَرْوَاحٍ وَيَقُولُ: الثَّابِتَةُ الرُّوحُ الَّتِي لَا تَنَامُ لِأَنَّهُ




