وَيَقْتُلُ وَيَطْرُدُ، ثُمَّ نُعِيدُ أَبْصَارَنَا فَنَرَاهُ قَائِمًا يُلَوِّحُ بِسَيْفِهِ تَلْوِيحًا ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، فَيَقْطَعُ أَيْدِيًا وَأَرْجُلًا، وَهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ فِرْقَةً، حَتَّى وَلَّى الْقَوْمُ وَانْهَزَمُوا، وَكُلُّ حِزْبٍ يَرَاهُ فِي إِثْرِهِ، وَيَتَأَمَّلُهُ بِصُورَتِهِ الَّتِي لَمْ تَزَلْ وَلَمْ تَزُلْ وَلَمْ تَتَغَيَّرْ وَلَمْ تَحُلْ، فَقُلْتُ لِحُذَيْفَةَ: هَلْ رَأَيْتَ مِنْ قُدْرَةِ مَوْلَاكَ فِي خَلْقِهِ كَمَا رَأَيْتَ، وَنَظَرْتَ كَمَا نَظَرْتَ؟ فَقَالَ: يَا أَخِي، أَخْفَي مَا رَأَيْتَ فَالْأَمْرُ عَظِيمٌ، وَالْخَطْبُ جَسِيمٌ، ثُمَّ عَادَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى وِجْهَتَيْنِ، فَأَكْثَرُهُمْ يُجْمِعُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلَى شَفِيرِ الْخَنْدَقِ وَيَهُزُّ سَيْفَهُ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ عَمْرًا وَأَصْحَابَهُ، وَالْبَاقُونَ يَقُولُونَ: رَأَيْنَاهُ وَقَدْ عَبَرَ إِلَيْهِمْ وَحَصَلَ فِي أَوْسَاطِهِمْ، وَقَتَلَ عَمْرًا وَغَيْرَهُ ذُو الْقَفْقَافِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْكُفَّارِ، وَأَنَا وَحُذَيْفَةُ كُنَّا بِإِزَائِهِ، فَقَرَأَ ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾(1)، فَقَالَتِ الْجَمَاعَةُ الْحَاضِرِينَ: صَدَقْتَ يَا جَابِرُ، هَكَذَا يَفْعَلُ اللهُ بِأَعْدَائِهِ فَجَعَلَ الصَّادِقُ -عَزَّ عَزُّهُ- يَقُولُ: يَا مُفَضَّلُ، هَذِهِ مِنْ إِشَارَاتِ الْعَارِفِينَ وَمُنَاجَاةِ الطَّالِبِينَ وَدَلَالَاتٍ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قُلْتُ: يَا مَوْلَايَ ابْدِأ بالْبَيِّنَاتِ، فَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : يَا مُفَضَّلُ، لَا يَسَعُ الْكَشْفُ، قُلْتُ: يَا مَوْلَايَ، قَدْ بَانَ لِلْعَارِفِينَ إِشَارَتُكَ وَغَرَبَ عَلَيْهِمْ إِدْرَاكُ نِهَايَتِكَ فَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : يَا مُفَضَّلُ الْعَلِيُّ
1سورة المومنون - الاية 101




