قَالَ السَّائِلُ: قَدْ عَرَفْتُ صِحَّةَ أَقْوَالِكَ، وَصَبْرَكَ وَحِلْمَكَ لِأَنَّ الَّذِي ذَكَرْتَهُ وَأَشَرْتَ إِلَيْهِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَاهِدٍ لِتَصِحَّ بِهِ الدَّعْوَةُ لِأَنَّهُ قَدْ اِشْتُهِرَ عَلَى رُؤُوسِ الْمَلَأِ وَعَرَفَهُ الأَدْنَى وَالأَقْصَى، وَمَا كُنْتُ في ذلك مُحْتَاجًا الى سؤال إلَا لِلْأَخْذِ عَنْكَ مَا قُلْتَ وَقَالَ: إنْ كَانَ هذا جَوابِي، فَقَدْ عَدِمْتُ صَوَابِي وَرَجَعْتُ بِلَا فَائِدَةٍ إِلَى أَصْحَابِي، وَمَا سَمِعْتُ مِنْكَ إِلَّا أَنَّكَ أَعَدْتَ عَنْهُ مَا قَالَهُ وَأَجَبْتَهُ على قَبِيِحِ أَفْعَالِهِ، فَإِنْ كُنْتَ طَلَبْتَ بذلك أَنْ تُكَافِئَهُ فَمَنْ أجَازَ ميتاً كَانَ مُسَاوِيهِ فِي غيِّه وَتَمَادِيهِ، وقد سَمِعْتُ قَوْلَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهِ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾(1) وَقَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾(2) فَيَجِبُ أَنْ تَتْرُكَ جَوَابَهُ بِمَا لَا فَائِدَةَ بِهِ، وَتَعْمَلَ بِمَا جَاءَ فِي قِصَّةِ ابْنَيْ نَبِيِّ اللهِ آدَمَ -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿لَئِن بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ﴾(3) وَقَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهِ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾(4) وَمَا يَكُونُ فِي الْقَتْلِ أَكْثَرُ مِنْ شَهَادَتِهِ عَلَيْكَ أنَّكَ قَدْ تَرَكْتَ الْكُتُبَ وَالتَّنْزِيلَ وَقُلْتَ بِإِمَامَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْمَوْلَى، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَرَاكَ أَوْ يَسْمَعَ بِكَ قَتِيلًا لِمَا قَدْ عُرِفَ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ إِلَى هَذَا الْجِيلِ فَيَكُونُ قَدْ قَتَلَكَ لِسَانُهُ بِيَدِ غَيْرِهِ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ هَيْهَاتَ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مَا أَرَادَ الْمَلِكُ الْجَلِيلُ وَيَكْفِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْقَلِيلُ فَأَنَا أَتَّبِعُ مَا قَالَ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- فِي الزَّبُورِ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ -عَزَّ عَزُّهُ- في المُزْمُور: هُوَذَا يَمْخَضُ بِالْإِثْمِ حَمَلَ تَعَبًا، وَوَلَدَ كَذِبًا، كَرَا جُبًّا، حَفَرَهُ، فَسَقَطَ فِي الْهُوَّةِ الَّتِي صَنَعَ، يَرْجِعُ تَعَبُهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَعَلَى هَامَتِهِ يَهْبِطُ ظُلْمُهُ(5).
فِي الْكِتَابِ الْكَرِيمِ: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾(6).
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- : إِنَّ زَوَالَ الدُّنْيَا عَلَى اللهِ أَهْوَنُ مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ.
وَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : لَوْ اِشْتَرَكَ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِي دَمِ مُؤْمِنٍ ظُلْمًا لَأَكَبَّهُمُ اللهِ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ.
وَالْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ لِابْنِ يَقْطِينَ يُوضِحُ مَا عَلَى مَنْ قَطَعَ أَخَاهُ أَوْ مَنَعَهُ، رَوَاهُ الشَّيْخُ الثِّقَةُ أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجِلِّيُّ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخِي أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخُصَيْبِيُّ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- يَرْفَعُهُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينَ قَالَ: لَمَّا قَلَّدَنِي السُّلْطَانُ أَعْمَالَ فَارِسَ دَخَلْتُ عَلَى مَوْلَانَا عَلِيٍّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا -عَزَّ عَزُّهُ- فَقُلْتُ: يَا مَوْلَايَ، قَدْ قَلَّدَنِي السُّلْطَانُ أَعْمَالَ فَارِسَ، فَهَلْ مِنْ وَصِيَّةٍ تُوصِينِي أَعْمَلُ بِهَا وَأَنَالُ بِهَا الدَّرَجَةَ فِي عَلِّيِّينَ؟ فَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : يَا بْنَ يَقْطِينَ أُوصِيكَ بثَلاثةٍ أَضْمَنُ لَكَ بِهِنَّ ثَلاثةً، قُلْتُ: يَا مَوْلَايَ، مَا الثَّلَاثَةُ الَّتِي تَأْمُرُنِي بِهَا، وَمَا الثَّلَاثَةُ الَّتِي تَضْمَنُهَا لِي؟ فَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : يَا بْنَ يَقْطِينَ، لَا تَتَّخِذْ عَلَى بَابِكَ بَوَّابًا وَلَا عَنْ إِخْوَانِكَ حِجَابًا، وَلَا تَأْكُلْ الطَّعَامَ وَبِحَضْرَتِكَ مُسْتَحِقٌّ لِأَكْلِهِ إِلَّا أَحْضَرْتَهُ عَلَى مَائِدَتِكَ فَإِنَّ اللهِ لَا يُقِيمُ الْفَقْرَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَعَيْنَيْكَ، وَلَا يُذِيقُكَ حَرَّ الْحَدِيدِ وَلَا يَبْتَلِيكَ بِمَا لَا تُطِيقُ، يَا بْنَ يَقْطِينَ، مَنْ اِحْتَجَبَ عَنْ أَخِيهِ حُجِبَ، وَمَنْ قَطَعَ أَخَاهُ قُطِعَ، وَمَنْ مَنَعَ أَخَاهُ مُنِعَ، فَقُلْتُ: يَا مَوْلَايَ مَنْ حُجِبَ عَنْ أَخِيهِ حُجِبَ بِالْعَمَى؟ قَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : طُوبَاهُ بَلْ إِنَّهُ يُحْجَبُ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْمَلَكُوتِ فَقُلْتُ: يَا مَوْلَايَ، مَنْ قَطَعَ أَخَاهُ قُطِعَ مِنْ خِلَافٍ؟ قَالَ: طُوبَاهُ بَلْ لَا أَكُونُ لَهُ رَبَّاً، وَلَا يَكُونُ لِي عَْبْدَاً، فَقُلْتُ: مَنْ مَنَعَ أَخَاهُ مُنِعَ خَيْرَ الدُّنْيَا؟ قَالَ: طُوبَاهُ بَلْ يُمْنَعُ الدَّرَجَةَ الْعُلْيَا فِي عَلِّيِّينَ، وَأحْبَطَ عَمَلُهُ وَرَدَّهُ إِلَى أَضَيْقِ حَالٍ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ بِمَخْرَجٍ فَلَمْ يَجِدْ مَخْرَجًا أَبَدًا، فَحَافِظْ عَلَى دِينِكَ وَاصْبِرْ كَمَا قِيلَ:
فَالصَّبْرُ خَيْرُ مَطِيَّةٍ رُكِبَتْ | فَاجْعَلْ مَطِيَّةََ عَزْمِكَ الصَّبْرُ
|
وَثِقْ بِمَوْلَاكَ بِمُكَافَأَةِ مَنْ أَبْلَاكَ وَقَلَاكَ وَاطْلُبْ أنْ يَشْنَاك، قَالَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾(7).
وَاشْرَحْ لِي وَلِإِخْوَانِكَ الْوَاثِقِينَ بِمَكَانِكَ الْحَافِظِينَ سِرَّكَ وَإِعْلَانَكَ تَأْوِيلَ جَمِيعِ مَا أَنكَرْتَهُ عَلَيْهِ وَنَسَبَ نَفْسَهُ إِلَيْهِ، بَعْدَ أَنْ يَتَبَيَّنَ كُلُّ مَا ادَّعَاهُ وَأَظْهَرَهُ وَأَخْفَاهُ وَاحْتِجَاجُهُ بِكُلِّ مَا يَقُولُ، عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ -عَزَّ عَزُّهُ- مِنَ الْكَلِمَاتِ الْمُحَرَّفَةِ وَالأَقْوَالِ الْمُزَخْرَفَةِ، وَكُلِّ كَلِمَةٍ وَحَرْفٍ، وَنَصْبٍ وَعَطْفٍ وَبَيِّنْ لَنَا دَلَالَتَهُ عَلَى قَوْلِهِ، وَمَا يَسْتَشْهِدُ بِهِ عَلَى صِحَّةِ فِعْلِهِ، وَعَنِ الْقَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ لِلنَّاسِ، وَالأَخْذِ بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ، فَإِذَا أَوْضَحْتَ لَنَا هَذِهِ الْفُصُولَ مَشْرُوحَةً مُبَيَّنَةً، تَصِلُ إِلَى عِلْمِ ذَوِي الْعُقُولِ، وَاشْرَحْ لَنَا بَعْدَ هَذَا كُلَّهُ مَا وَصَلَ عِلْمُكَ إِلَيْهِ مِنْ اِخْتِلَافِ مَذَاهِبَ الإِسْلَامِ بَعْدَ غَيْبَةِ الرَّسُولِ وَالأَئِمَّةِ -عَزَّ عَزُّهُمْ- وَالأَبْوَابِ -مِنْهُمُ السَّلَامُ- وَمَنْ أَنْكَرَ الْحَقَّ وَحَادَ عَنِ الْكِتَابِ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ رَاجِعٌ إِلَى مَوْلَاكَ، وَمُطَالَبٌ بِمَا كَسَبَتْ يَدَاكَ، فَدَعْ عَنْكَ الْعُجْبَ وَالْهَوَى وَالتَّعَدِّيَ وَالْمِرَاءَ وَالْبَغْيَ عَلَى الأَعْدَاءِ فَكَيْفَ أهْلُ الوَلِيِّ وَانْظُمْهُ يَتْلُوا بَعْضَهُ بَعْضَاً على صِدقِ المَقَالَةِ وصِحَّةِ الدَّلالةِ مِنْ قَوْلِ السَّادَةِ القَادَةِ بِمَا جَرَتْ عَلَيْهِ العَادَةُ لأنَّ كُلَّ فَنٍّ مِنَ الْعُلُومِ تَبْدَأُ بِهِ مِنْ أَدْنَاهُ إِلَى أَعْلَاهُ إِلَّا عِلْمُ التَّوْحِيدِ تَبْدَأُ بِهِ مِنْ أَعْلَاهُ إِلَى أَدْنَاهُ، وَاجْعَلْ جَوَابَ كُلِّ فَصْلٍ عَمَّا يَلِيهِ، حَتَّى لَا يَضِلَّ عَنْهُ قَارِئُهُ وَيَفْهَمَهُ مَنْ يَسْمَعُهُ، وَلَا يَمَلَّ رَاوِيهِ، وَالنَّاظِرُ فِيهِ، وَاعْلَمْ، أَنَّ الْحَقَّ مُبْغُوضٌ عَلَى أَهْلِ الدَّارِ، وَكُلَّ مَيْلِهِمْ إِلَى الدَّرَاهِمِ وَالدِّينَارِ وَلَا عِنْدَهُمْ إِرَادَةٌ لِلْجَنَّةِ وَلَا خَوْفٌ مِنَ النَّارِ، فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقَدَّمَ، وَلَا تَعْجَلْ تَنْدَمَ، وَبِاللهِ اعْتَصِمْ، وَشُدَّ كَلَامَكَ مِنْ كُتُبِ الأَنْبِيَاءِ، وَكَلَامِ الأَوْصِيَاءِ وَآيَاتِ الْكِتَابِ، التِّي تَدْفَعُ بِهَا كُلَّ سَاحِرٍ كَذَّابٍ،




