وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرَهُ، وَلَا تُدْرِكُ الْعُلَمَاءُ عِلْمَهُ، وَلَا تُحْصَي الْخَلَائِقُ وَصْفَهُ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا فِي الصُّدُورِ.
قَالَ أَبُو الْمُطَّلِبِ -مِنْهُ السَّلَامُ- : كُلُّ حَرْفٍ مِنْ هَذِهِ الْخُطْبَةِ، وَكُلُّ لَفْظَةٍ وَاقِعَةٌ عَلَى سَمَاءٍ وَأرْضٍ وَهُوَ وَاقِعٌ عَلى بَاطِنٍ، فَلَيْسَ مَا يُعْرَفُ مِنَ الظَّاهِرِ عَلَى مَا خُطَطْتُّ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ، وَكُلُّ اسْمٍ وَصِفَةٍ وَلُغَةٍ فَهُوَ غَيْرُ الْمَعْنَى، وَالْمَعْنَى غَيْرُهُ وَكُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى مَا بَعْدَهُ أَنَّهُ مِنْهُ، وَمَا بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَانِعُهُ وَكَذَلِكَ وَصْفُ رَبِّنَا فَتَبَارَكَ وَتَعَالَى فَوْقَ مَا وَصَفَ الْوَاصِفُونَ.
وَمِنْ ذَلِكَ خُطْبَةُ مَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- : الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَحَدِ الْفَرْدِ الصَّمَدِ، لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ خَلَقَ مَا قَدَّرَهُ، بَانَ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَبَانَتِ الْأَشْيَاءُ مِنْهُ، لَيْسَتْ لَهُ صِفَةٌ تُنَالُ، وَلَا حَدٌّ فَتُضْرَبَ بِهِ الْأَمْثَالُ، كُلَّما دُونَ صِفَاتِهِ تَحِيرُ الصِّفَاتُ، وَضَلَّ هُنَالِكَ التَّدْبِيرُ فِي تَصَارِيفِ اللُّغَاتِ، وَحَارَ فِي مَلَكُوتِهِ عَمِيقَاتُ مَذَاهِبِ التَّفْكِيرِ، وَانْقَطَعَ دُونَ الرُّسُوخِ فِي عِلْمِهِ جَوَامِعُ التَّفْسِيرِ، وَحَارَتْ دُونَ غَيْبِهِ الْمَكْنُونِ حُجُبُ الْعُيُونِ، وَتَاهَتْ فِي أَدَانِي أَدَانِيهَا طَاقاتُ الْعُقُولِ، فَتَبَارَكَ مَنْ لَا تَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، وَلَا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ، لَيْسَ لَهُ نَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَلَا أَجَلٌ مَعْدُودٌ، وَلَا وَقْتٌ مَحْدُودٌ، الْوَاصِفُونَ لَا يَبْلُغُونَ نَعْتَهُ، وَحَدُّهُ بَعِيدٌ بِمُبَايَنَةِ الْأَشْيَاءِ مُتَبَايِنٌ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَبَهِهَا وَأَنَّهُ لَا شَبِيهَ لَهُ




